من بورتسودان إلى الخرطوم.. رحلة استعادة السيادة تبدأ من السماء؟
بعد أكثر من عامين من الصمت فوق سماء الخرطوم، تعود الطائرات لتشقّ الأجواء التي أنهكتها الحرب، خطوةٌ وُصفت بالرمزية والعملية في آنٍ واحد، إذ أعلنت السلطات السودانية إعادة تشغيل مطار الخرطوم الدولي تدريجيًا للرحلات الداخلية، في مشهد يختزل محاولات الدولة التقاط أنفاسها وسط الركام، لكن أهمية هذا الحدث تتجاوز حدود السودان، فالمطار الذي كان رمزًا للسيادة الوطنية أصبح اليوم مؤشرًا لقياس توازن القوى، ومفتاحًا لتحريك ملفات إنسانية وتجارية وسياسية عالقة، إعادة فتحه لا تمسّ فقط حركة المسافرين، بل تمتد لتؤثر في طرق الإغاثة، وأسواق القرن الإفريقي، وديناميكيات عودة اللاجئين، غير أن المشهد لا يخلو من المخاطر، فالهجمات بالطائرات المسيرة الأخيرة تؤكد أن الأجواء لم تهدأ بعد، وأن كل إقلاع من الخرطوم ما زال تحفه حسابات الحرب، فهل تمهّد هذه الخطوة لانفراج حقيقي، أم أنها مجرد استراحة في صراع طويل؟
مطار ينهض من تحت الرماد
في صباح الأربعاء 22 أكتوبر، دوّى أول إعلان عن إقلاع طائرة مدنية من مطار الخرطوم الدولي منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، الرحلة التي أقلّت ركابها من بورتسودان بدت أقرب إلى إعلان رمزي بأن العاصمة لم تُغلق إلى الأبد، ومع ذلك، تأخر التنفيذ ساعات قليلة بسبب هجمات بطائرات مسيرة، لتذكر الجميع بأن السلام لا يزال هشًا وأن الأجواء ما زالت تدار على وقع النار.
لم يكن المطار مجرد مرفق مدني، بل شريانًا ينتظره العاملون في الإغاثة منذ شهور، فالقوافل الإنسانية التي كانت تكافح للوصول برًا إلى مناطق وسط وغرب السودان واجهت هجمات وقطع طرق متكرر، وإعادة فتح المجال الجوي تعني تقليص زمن وصول المساعدات، وتسريع عمليات الإنقاذ الطبي، وتسهيل نقل الإمدادات إلى المناطق المعزولة، بالنسبة للمنظمات الأممية، هذه الخطوة تمثل "نافذة حياة" أكثر من كونها انتصارًا لوجستيًا.
رئة اقتصادية لأسواق متشابكة
منذ عقود، شكّلت الخرطوم نقطة ارتكاز تجاري في القرن الإفريقي وشمال شرق القارة، إعادة تفعيل خطوطها الداخلية تمنح التجار والشركات فرصة لإعادة تنشيط سلاسل التوريد، وتقصير زمن العبور بين المدن، وربط الأسواق الإقليمية من جديد، حتى الرحلات المحدودة قد تُمهّد لعودة تدريجية للتجارة عبر الحدود مع دول مثل إثيوبيا وجنوب السودان ومصر.
الحرب التي هجّرت ملايين السودانيين جعلت من الخرطوم مركزًا رمزيًا لذكريات الفقد، ومع عودة المطار، يتطلع كثير من النازحين إلى إمكانية التنقل، والعودة، أو لمّ الشمل، كما يُتوقع أن تؤثر الخطوة في ديناميكيات النزوح عبر الحدود، حيث تتعامل دول الجوار مع موجات متحركة من اللاجئين، خصوصًا في مصر وإثيوبيا وجنوب السودان.
توقيت إعادة التشغيل ليس مجرد صدفة، فبينما يخوض الجيش السوداني حرب استنزاف ضد قوات الدعم السريع، تسعى الحكومة لإظهار قدرتها على إعادة تشغيل المرافق الحيوية وإعادة الحياة للعاصمة.
عودة السيادة والحياة إلى العاصمة
من جانبه، يقول الكاتب والمحلل السياسي السوداني عثمان الميرغني، أن استئناف العمل في مطار الخرطوم الدولي يحمل انعكاسات عميقة على الأوضاع السياسية والشعبية في السودان، تتجاوز الطابع اللوجستي إلى رمزية وطنية تمس روح العاصمة وهويتها.
وأوضح الميرغني في تصريح خاص لـ"إيجبتك"، أن الأثر الأول لعودة المطار نفسي ومعنوي بالدرجة الأولى، إذ تعني عودة الحياة إلى طبيعتها في الخرطوم التي انتقلت مؤقتًا إلى بورتسودان خلال فترة الحرب، مشيرًا إلى أن تشغيل المطار الدولي يُعد إشارة إلى استعادة العاصمة الشرعية ومقر السيادة الوطنية، بعد عامين من الاضطراب والنزوح.
وأضاف أن هذه الخطوة ستنعكس إيجابًا على المشهد السياسي وعلى المزاج الشعبي في الداخل، لكونها ترمز إلى استعادة الدولة لجزءٍ من قدرتها على إدارة المرافق الحيوية في مركز الحكم.
وأشار الميرغني إلى أن عودة المطار ستسهم في تسهيل العودة الطوعية للمواطنين المقيمين في الولايات المجاورة مثل الجزيرة، والذين يواجهون صعوبات في الوصول إلى الخرطوم بسبب بعد المسافة بين العاصمة وبورتسودان، التي كانت المنفذ الجوي الوحيد طوال العامين الماضيين.
ونوّه إلى أن الرحلات الطويلة والشاقة برًا كانت تعيق الكثير من الأسر، خاصة كبار السن والمرضى، عن العودة إلى منازلهم في العاصمة، مشيرًا إلى أن إعادة تشغيل مطار الخرطوم ستفتح الباب أمام رحلات مباشرة من مختلف دول العالم، بما يسمح للمغتربين السودانيين بالعودة إلى ذويهم دون عناء.
وفي الجانب الاقتصادي، لفت الميرغني إلى أن المطار يمثل ركيزة أساسية للتجارة الدولية، خصوصًا للدول التي تعتمد على الشحن الجوي مثل الصين، مبينًا أن توفر منفذ جوي مباشر في العاصمة سيُنعش حركة التبادل التجاري ويُسرّع من وصول البضائع، بما يعزز من قدرة السودان على التواصل الاقتصادي مع العالم الخارجي.
واختتم الميرغني بالقول إن عودة مطار الخرطوم ليست مجرد إجراء إداري، بل رسالة سيادية وسياسية تؤكد أن العاصمة بدأت تستعيد مكانتها ودورها الطبيعي في إدارة البلاد.