لا تتوقف محاولات المد الشيعي الإيراني، في إيجاد موضع قدم له في قلب القاهرة، رغم الموانع الاجتماعية والثقافية والأمنية التي يتمتع بها الشارع المصري، وموقفهم الرافض للتطاول على الصحابة رضوان الله عليهم.
ومع ذلك، تظل هناك علامات استفهام مشروعة حول النشاط التبشيري الشيعي، ومحاولات التغلغل داخل بعض الأوساط العلمية في جامعة الأزهر الشريف، من خلال البعثات الأجنبية أو العلاقات الأكاديمية المموّلة، وهي ظاهرة كشفتها تصريحات العالم الأزهري أحمد الشريف في إحدى محاضراته، حين تحدث عن أسماء أكاديمية داخل المؤسسة الأزهرية تروّج للمذهب الشيعي على مدى السنوات الأخيرة.
تماهي التعاليم الصوفية وطرقها المنضبطة شرعيًا بالمذهب السني الأشعري (الصوفية العلمية)، وارتباط الطوائف المجتمعية بحب آل البيت، يمثلان صمام أمان، أمام الدعوات السرية التي تبشر بالمذهب الشيعي، وتنادي بالتبعية الإيراني.
رفض الشارع المصري لممارسات جماعات الإسلام السياسي والتيارات السلفية، لا يعني بحال التخلي عن المذهب السني، والارتماء في أحضان النظام الملالي، وتوجهاته الدينية والفكرية والسياسية، وسعيه في تصدير ما يعرف بـ"الثورة الدينية".
لم تكن حركات الإسلام السياسي والتيارات السلفية التقليدية، حصنًا مانعًا أمام تغلغل المذهب الشيعي، مثلما يدَّعون، على العكس تمامًا، مثلت بابًا للهروب من جحيم وتجبر هذه التنظيمات، وسطور التاريخ المعاصر مليئة بالتحولات الفكرية للعديد من قياداتها وقواعدها، التي عقدت بيعتها للمراجع الشيعية في مدينة قمّ الإيرانية.
الفترة الذهبية لانتعاش "المد الشيعي" في القاهرة، تواكبت مع مرحلة صعود جماعات "الإسلام السياسي"، على قمة المشهد الداخلي، والتي ترجمة في إطار القوافل الشعبية، وزيارات ممثلي القوى السياسية والإعلامية والدينية، إلى طهران، للتعرف على ملامح المشروع الفكري والسياسي للدولة الإيرانية عن قرب. بينما كان الهدف الحقيقي هو اختبار إمكانية تصدير "الثورة الدينية الإيرانية" إلى الداخل المصري.
الرابط القوي بين دراويش "الإسلام السياسي"، وأتباع المذهب الشيعي، أن خضوعهما للمرشد وولائهما لكيانهما المذهبي والفكري، ولمعتقدهما العقائدي، يغلب على انتمائهما وإيمانهما بمفاهيم "الدولة الوطنية"، ومن ثم كان التوتر السمة الغالبة على العلاقة بين مريدي الخميني، والحكومة المصرية، إذ تم القبض على 52 فردًا بينهم عناصر أجنبية عام 1989، بتهمة الانضمام لتنظيم شيعي سري، وفي عام 1996 تمت محاكمة 55 شيعيًا بنفس التهمة، وفي عام 2009 تم القبض على خلية تابعة لـ"حزب الله" في القاهرة .
مثلت "التمويلات"، الرابط المباشر في مختلف الحالات التي تبنت المذهب الشيعي، وأثارت جدلاً في الداخل المصري، خاصة التي روجت للنظام الملالي ومعتقداته الدينية، عبر صفحات المجالات والجرائد، ولعبت على وتر الصدمة الفكرية للقارئ المصري حول السياقات التاريخية المرتبطة بكبار الصحابة، وعلى رأسهم عمرو بن العاص، وخالد بن الوليد، والسيدة عائشة رضوان الله عليهم.
التوعية في ذاتها عملية ديناميكية مستمرة، ولا يمكن في ظلها تجاهل وقوف المؤسسات الدينية الرسمية، والأجهزة الأمنية بالقاهرة، في مواجهة خطر التمدد الشيعي، وتحجيم أي مسار للنفوذ الإيراني، لكن هذا لا يمنع من تسليط الضوء على محاولات الطرف الأخر في تجنيد المراهقين والأطفال، وربطهم مبكرًا بأدبيات مشروع "ولاية الفقيه"، على غرار جماعات "الإسلام السياسي"، لا سيما بعد انتشر فيديوهات لأطفال في "حضانات تعليمية"، يتدربون على ممارسة الطقوس الشيعية.
دعوات التقرب بين المذهب السني الشيعي، خرجت من عباءة قيادات جماعة الإخوان وحلفائها من رموز الجماعات الأصولية، التي استقوت بالنظام الملالي، وتوافقت بينهما المصالح على أنقاض الدولة الوطنية، أمثال محمد شوقي الإسلامبولي، وأسامة بن لادن، وأيمن الظواهري، وسيف العدل، وأبو محمد المصري، ومصطفى حامد المعروف بـ"أبو وليد المصري"، وغيرهم، كما لا يمكن تجاهل زيارة الرئيس الإخواني، محمد مرسي إلى طهران عام (2012)، بعد (34) عامًا من القطيعة، فضلًا عن زيارة الرئيس الإيراني أحمدي نجاد إلى القاهرة، وإلقائه خطبة من داخل الأزهر الشريف، تحت رعاية مكتب الإرشاد.
لا توجد احصائية حقيقية حتى هذه اللحظة حول أعداد الشيعة في القاهرة، ولم تفصح أية جهة رسمية عن تقديراتهم الفعلية، سوى أن التقارير الأخيرة الصادرة عن الإدارة الأمريكية حول "الحريات الدينية"، في مصر، قدرت عددهم بنسبة 1% من التعداد السكني، أي ما يعادل نحو مليون شيعي، وهي نسبة مبالغ فيها جدًا.
لعب العراقي على البدري دورًا في نشر التشيع في القاهرة، في منتصف القرن الماضي، خلال دراسته بجامعة الأزهر، بتوجيه مباشر من المرجع الشيعي، أبو القاسم الخوئي، الذي كلفه بأن يكون وكيلاً عنه للشيعة في مصر، وقام بتجنيد حسن شحاتة، وحسين الضرغامي، ومحمد عبد الحفيظ، وغيرهم، وفقاً لما ذكره المرجع الشيعي السابق، صالح الورداني، في كتابه "الحركة الإسلامية في مصر.. من الخمسينيات إلى التسعينات".
يجيد الممول الإيراني، توظيف دور النشر الثقافية، في الترويج لـ"لمشروع الملالي" عبر المعارض الرسمية استغلالاً للجماهير العريضة المشاركة فيها، وعلى رأسها، "معرض القاهرة الدولي"، الذي أعطاهم فرصة التغلغل والتواجد فكرياً، خلال المراحل الزمنية السابقة.
مازال الشيعة المصريون يبذلون جهودًا، (وإن خفتت أصواتهم)، لإعادة افتتاح "جمعية أهل البيت"، التي تم إغلاقها عام (1979)، وإعادة "المجلس الأعلى لرعاية آل البيت"، وصحيفة "صوت آل البيت"، وإعادة افتتاح "مركز الإمام علي لحقوق الإنسان"، الذي تم اشهاره عام (2005) في محاولة تمرير أجندتهم الفكرية تحت غطاء الملف الحقوقي، وتم إغلاقه عام(2007).
وكذلك تأسيس "المجلس الشيعي الأعلى في مصر"، وإشهار فرع لـ"رابطة أهل البيت الشيعية اللندنية" في القاهرة، وإطلاق مشروع "العتبات المقدس"، الذي دعي إلى استقبال (5) ملايين سائح إيراني سنويًا، ومحاولة اعتماده من وزارة السياحة المصرية، لا سيما خلال مرحلة حكم الإخوان التي منحتهم حيوية التحرك في العمق المجتمعي.
رغم الانتكاسات التي واجهتها إيران في السنوات الأخيرة سواء في سوريا واليمن والعراق ولبنان فإن الحديث عن "نهاية المشروع الإيراني" مبكر، لا سيما أن إيران لم تُهزم فكريًا رغم سقوطها عسكريًا، في ظل امتلاكها شبكة نفوذ مركّبة تعتمد على أدوات غير مرتبطة فقط بالسيطرة الجغرافية، بل بالاختراق الأيديولوجي والمذهبي.
طهران ترى أن مصر هي الجائزة الكبرى في تمدد المذهب الشيعي، من خلال التأثير في وعيها الديني والثقافي، والسيطرة المعنوية على النخبة الدينية والإعلامية وإعادة صياغة الوعي تجاه "المذهب الشيع" و"الثورة الإيرانية".
ورغم صمود المجتمع المصري ومؤسساته أمام هذا الاختراق، فإن المعركة الفكرية لم تُحسم بعد، إذ يتواصل التحدي بين الهوية السنية الأزهرية والمشروع الإيراني العابر للحدود.
عمرو فاروق*
كاتب وباحث في شؤون الجماعات الأصولية، وقضايا الأمن الإقليمي