بالمحراث لا بالبندقية.. مزارعو نيجيريا يصمدون في زمن الحرب
في شمال شرقي نيجيريا، تحوّلت الزراعة من مصدر رزق إلى مغامرة على حافة الموت، فبين الحقول الخضراء التي يفترض أن تنبض بالحياة، يقف المسلحون بملابسهم العسكرية يحمون الفلاحين من مطاردات الـ“جهاديين” منذ أكثر من عقد، لتستمر حربًا غير متكافئة يخوضها المزارعون دفاعًا عن لقمة العيش في مواجهة رصاص “بوكو حرام” وتنظيم الدولة في غرب إفريقيا، ورغم الخسائر المتزايدة، تصر السلطات على إعادة الناس إلى حقولهم، غير عابئة بصرخة عائشة: "نخاف على أرواحنا قبل ثمارنا".
لا بديل للحياة
في ريف ولاية بورنو شمال شرقي نيجيريا، تتوزع الحقول الزراعية بين خنادق وحواجز ترابية أقامها الجيش لحماية المزارعين، لكن الخطر لا يبتعد كثيرًا، فخارج تلك الحدود تبدأ مناطق نفوذ الجماعات المتشددة التي لا تزال تفرض قبضتها على الريف.
وسط هذا المشهد، تعمل وحدة "حُماة الزراعة"، وهي قوة أمنية خاصة أنشأتها الحكومة لحراسة المزارعين وحمايتهم من هجمات تنظيمي بوكو حرام وداعش في غرب إفريقيا، تقول المزارعة عائشة عيسى (50 عامًا) وهي تروي يومها الطويل لـ«بي بي سي» البريطانية، نعيش في خوف دائم، نخاف على أرواحنا كل صباح نخرج فيه إلى الأرض".
عائشة التي فرت قبل أحد عشر عامًا من قريتها المحترقة، لا تزال تعود يوميًا إلى الحقول بحافلة تقلها مع عشرات المزارعين من العاصمة الإقليمية مايدوجوري إلى قرية دالوا، ورغم الحراسة المسلحة، تصر على متابعة الزراعة، تقول بابتسامة شاحبة: "حتى لو لم يأت الحراس، سنزرع، لا نملك سوى ذلك."
العمل في الأرض طريق الاستقرار
خلف هذا الإصرار يكمن واقع مرير، فبحسب المزارع مصطفى موسى 42 عامًا، الأب لعشرة أطفال، فإن الحقول صارت مناطق موت، نسمع كل يوم عن خطف وقتل، لا أستطيع الذهاب دون حماية، أخاف ألا أعود"، مصطفى نزح من قريته كوندوغا قبل 13 عامًا، ويرفض العودة إليها ما لم يتحقق الأمن الكامل.
على مدى 15 عامًا من التمرد المسلح، قُتل الآلاف، ونزح الملايين في شمال شرق البلاد، وتشير بيانات مشروع ACLED لمراقبة النزاعات إلى أن عدد القتلى في هجمات استهدفت المزارعين هذا العام تضاعف مقارنة بعام 2024، ورغم هذه الإحصاءات القاتمة، يواصل حاكم ولاية بورنو تشجيع النازحين على العودة إلى الزراعة ضمن خطة لإعادة الإعمار، معتبرًا أن العمل في الأرض هو طريق الاستقرار ومفتاح مواجهة الجوع المتفاقم.
تحذيرات أممية
من جانبها، حذرت الأمم المتحدة من أن 4 ملايين شخص في المنطقة يواجهون خطر الجوع الحاد، فيما ترى منظمات دولية مثل مجموعة الأزمات الدولية (ICG) أن سياسة العودة “متسرعة”، وتضع المزارعين في قلب الخطر، إذ يفرض المسلحون “إتاوات” على من يعمل داخل نطاق سيطرتهم، ويستغلون العائدات لتمويل نشاطهم.
المزارع عبا مصطفى محمد، أحد الناجين من الاختطاف، يروي ما عاشه في الأسر، يقول: قتلوا أحدنا لأن أسرته لم تدفع الفدية، بقينا ثلاث أيام في غابة مظلمة، الطعام ملوث والماء مالح، من ينجوا منهم لا ينسى ما عاشه، اليوم، يرفض عبا العودة إلى حقله، قائلًا: “الخطر قريب، اختطفوا عشرة بالأمس، من يزرع هنا يزرع في فم النار”.
لكن قائد وحدة “حماة الزراعة” في بورنو، محمد حسن أغالاما، يرى أن الوجود الأمني أحدث فارقًا، لم نعد نرى هجمات أثناء موسم الزراعة، لأنهم يعرفون أننا في الميدان وجاهزون للرد، غير أن المتحدث باسم جهاز الأمن والدفاع المدني النيجيري، جيمس بولوس، يعترف بضعف الإمكانات قائلًا:"لدينا 600 عنصر فقط في مايدوجوري، كيف نحمي آلاف الحقول، لسنا مقاتلين خارقين."
يقتلوننا كـ«النمل»
في أطراف مايدوجوري، يجتمع المزارعون تحت شجرة كبيرة في منزل آدم جوني، رئيس جمعية منتجي ومصنّعي السورغم، يتبادلون الحكايات أكثر من البذور، يقول أحدهم، بابا مودو، بغضب: “يقتلوننا كالنمل، بلا رحمة، حتى في بيوتنا لا نشعر بالأمان”.
ويضيف، إذا حاولنا الزراعة، يهاجموننا، كانوا يطلبون الفدية، الآن يأخذون المال ويقتلون الضحية أيضًا، مشيرًا إلى أن كثير منهم يؤكد أن المسلحين أقوى وأفضل تسليحًا من الجيش، وأن الجنود “يفرّون أحيانًا عند المواجهة”.
أما آدم جوني نفسه، فيملك عشرة هكتارات تنتظر الحصاد، لكنه يرفض الذهاب إليها بعد مقتل جاره مؤخرًا، يقول: “لا أمان في الطريق إلى الحقل، نعرف أننا نخاطر بحياتنا، ولكن من لا يزرع، لا يعيش”، ويختم بغضب: لو كانت الحكومة جادّة، لانتهى أمر"بوكو حرام" في شهر واحد.
ورغم تأكيد الحكومة الفيدرالية نيتها توسيع البرنامج الأمني، تشير تقارير محلية إلى أن عدد الهجمات على المزارعين هذا العام بلغ أعلى مستوى منذ خمس سنوات، ما يجعل الطمأنينة حلمًا بعيد المنال.