قمة بروكسل إنطلاقة جديدة للشراكة المصرية الأوروبية
ما الذي يجعل قمة مصر والاتحاد الأوروبي في بروكسل حدثًا مختلفًا؟
هل هي مجرد محطة دبلوماسية عابرة، أم بداية لمرحلة جديدة تُعيد رسم خريطة الشراكة بين القاهرة وبروكسل؟
زيارة الرئيس عبد الفتّاح السيسي للعاصمة البلجيكية تأتي في إطار «الشراكة الاستراتيجية الشاملة» التي أُعلن عنها في مارس 2024 بين مصر والاتحاد الأوروبي.
لكن ما يجعل هذه القمة لافتة هو أنها تمثل خطوة مفصلية في هندسة العلاقات المصرية–الأوروبية في حقبة ما بعد التحولات الجيوسياسية في الشرق الأوسط والمتوسّط، بما تحمله من فرص اقتصادية ورهانات سياسية كبرى
*الأبعاد القومية*: لماذا هذه الزيارة مهمة لمصر؟
1. دعم اقتصادي وتنمية:
من بين أولويات زيارة السيسي اقتصادية بامتياز، فالقمة تتضمن منتدى استثماريًا مصاحبًا لاستعراض الفرص في مصر بحضور شركات أوروبية رائدة.
في وقت تشهد فيه مصر ضغوطًا اقتصادية – من ارتفاع التضخم إلى حاجة ماسة للاستثمار الأجنبي – يوفر التحالف مع أوروبا مِنبَراً لتدفقات ورؤوس أموال ودعماً يتجاوز الحدود التقليدية.
2. ترسيخ موقع مصر الإقليمي:
باعتبارها بوابة بين الشرق والغرب، وبين أفريقيا وأوروبا، فإن مصر تطمح إلى أن تعزز موقعها كمركز محوري للاستقرار، وما تحققه من شراكات متعددة يُشاهد اليوم في لقاءات هذا النوع.
3. ملف الهجرة والتعاون الأمني:
من الملفات التي وضعت على جدول أعمال القمة: معالجة الهجرة غير النظامية، وتأثيرها على أوروبا، ودور مصر كدولة عبور أو استقرار في هذا الملف.
إن نجاح مصر في هذا الملف يعزز من قدرتها على فرض شروط أفضل في الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، ويُحسّن موضعها التفاوضي.
4. تحسين الصورة الدولية:
كل لقاء رسمي رفيع يمنح مصر زخماً دبلوماسياً، وقدرة أكبر على صياغة تحالفات أو مواقف في ملفات كبرى مثل السلام في الشرق الأوسط، أو قضايا المتوسط.
القمّة توفر واقعًا أن مصر ليست طرفًا محليًّا فحسب، بل شريكٌ دوليٌّ يُحسب له حساب.
الأبعاد الإقليمية: انعكاسات على الشرق الأوسط والمتوسّط
1. إرساء استقرار المتوسط:
أوروبا ترى في مصر شريكاً استراتيجياً يفهم البيئة الشرق أوسطية، ويُوفّر غطاء استقراراً في محيط مضطرب: من ليبيا إلى غزة إلى القرن الأفريقي. القمّة فرصة لتأكيد أن الاستقرار الإقليمي يتطلب شراكة مصرية-أوروبية.
2. تعزيز النفوذ المصري في القضايا الإقليمية:
عبر التعامل مع أوروبا على مستوى القمة، تكسب مصر موقعًا أقوى في مداولات الشرق الأوسط الكبرى—خصوصا في النزاعات أو الوساطات—بما يعزز من قدرتها على التأثير في ملفات مثل غزة أو ليبيا أو البحر المتوسط.
3. تنويع خيارات مصر الاستراتيجية:
العلاقة مع أوروبا تمنح مصر توازنًا استراتيجيًا، بحيث لا يُنظر إليها أنها مرتبطة بأطراف وحيدة فقط، بل أنها قادرة على الانفتاح والتعاون مع فاعلين دوليين مختلفين. هذا من شأنه أن يُعطيها مرونة سياسية أكبر في المنطقة.
التبعات المحتملة:
• إطلاق مشروعات استثمارية ضخمة: قد يؤدي الاتفاق إلى حشد استثمارات أوروبية في البنية التحتية والطاقة والموانئ المصرية، ما يساهم في النمو الاقتصادي.
• ترسيخ مكانة مصر كمركز صناعي أو لوجستي للشراكة بين أوروبا وأفريقيا/الشرق الأوسط.
• تعزيز قدرة مصر في مفاوضات حقوقها ومصالحها بالإقليم، من خلال الكارت «الشريك الأوروبي».
الخاتمة
زيارة الرئيس السيسي لبروكسل ومشاركته في القمة الأولى بين مصر والاتحاد الأوروبي ليست حدثًا اعتياديًا. بل هي إعلان لحقبة جديدة في العلاقات المصرية-الأوروبية، وهي مرحلة يتم فيها ترجمة الشراكة إلى أدوات تنفيذية على الأرض.
من الناحية القومية، تمثّل هذه الزيارة فرصة لتعزيز النمو، ورفع كفاءة الدولة في الملفات الكبرى. ومن الناحية الإقليمية، فهي تؤكد أن مصر تمارس دوراً فاعلاً في استقرار المتوسط والشرق الأوسط، وبأنها شريك جذّاب للدول الأوروبية التي تبحث عن شريك ذي وزن في هذا المحيط.
لكن، ومع الفرص الكبيرة، لا بد من الحذر من أن تتحول الشراكة إلى عبء أو التزام يُقيّد السيادة أو يخضع لمعايير خارجية لا تُراعي واقع مصر بالكامل. لذا، فإن ما بعد الزيارة سيكون الاختبار الحقيقي: كيف تُحوّل الاتفاقات والوعود إلى نتائج ملموسة—اقتصادية، واستثمارية، وتنموية—بما يخدم الشعب المصري ويعزز موقع مصر الإقليمي.