الاستغناء يؤدّي إلى الرضا، والرضا كنز من كنوز الحياة. في الظاهر هو نوع من القنوع، وفي الباطن راحة وسعادة، نظرة إيجابية وتفاؤل، قناعة بما تملك، وثقة كبيرة بأنّ ما تستحقه آتٍ لا محالة. قناعة بأنّ مناصب الدنيا كلها لن تغيّرك، ولن تنال من قدرتك على الاستغناء.
المناصب زائلة؛ لو دامت لأحد ما وصلت إليك. في الظاهر المنصب قوة وسلطة ونفوذ، وأحيانًا جبروت، لكن في الباطن خوف وتوتر وقلق، وطريق قد يحوّلك إلى "عبدٍ للكرسي".
هناك أشخاص يضيفون إلى المنصب؛ لهم كاريزما وهيبة، جيناتهم الأصلية قرون استشعار تطلق صفارات إنذار مزعجة وعالية جدًا، تحذّر صاحبها من التحول إلى عبدٍ للمنصب.
الاستغناء لا يعرفه إلا أصحاب الجينات الأصلية. تشعر أنك غنيّ بنفسك لا بما تملك، تستمد قوتك من ذاتك، من مواهبك وقدراتك. هذا النوع من الاستغناء يمنعك من المضيّ في أي طريق، أو الرضا بأي حياة، أو القبول بأي خيار. يدفعك دائمًا إلى الترفّع، وعدم مقارنة نفسك بأيّ شخص، فلا تتملّق، ولا تسلك طرقًا ملتوية للحصول على حقوقك.
في المقابل، هناك أشخاص جيناتهم الخبيثة لا تحتاج إلى المنصب ليتحوّلوا إلى عبيد؛ يقدّمون ذواتهم على أنهم ظرفاء وطيّبون، وغالبًا دائموا السخرية حتى من أنفسهم ليبدوا بُلهاء سذّجًا. هم بطبعهم ورثة العبيد والمماليك، يفعلون كل شيء من أجل منصب أو حظوة أو حتى "وهم تقدير". هؤلاء تحديدًا، المنصب يحوّلهم إلى حيوانات مفترسة مع من هم أقلّ منهم، وقرود "تتنطط وتعمل عجين الفلاحة" مع أسيادهم.
أصحاب الجينات الخبيثة لا يعرفون الاستغناء؛ يداهنون ويتملّقون وينافقون، يعيشون جنب الحيطة، ليس لهم رأي في أي شيء، وليس لهم موقف من أي شيء. مريحون، يسمعون الكلام، ينفذون الأوامر بالحرف، يلهثون خلف المناصب، ويسعون وراء المصلحة، ويتقرّبون إلى أصحاب النفوذ. يقبلون المساومة ويرونها ذكاءً ودهاءً، ويرون التنازلات خطةً وطريقًا للوصول.
للأسف، يرفعون شعار "أكل العيش مرّ". الخوف على لقمة العيش، على فرصة العمل، ومن أجلها يقبلون الإهانة. جيناتهم مشوّهة، ناقصة، مبتورة، غير أصلية؛ هانت عليهم أنفسهم، فكانت على غيرهم أهون.
لقمة العيش المغموسة في الذل والمهانة ملعونة؛ في الظاهر توفّر لك سبب استمرار الحياة، تغنيك عن الجوع، وفي الباطن تسحب منك الحياة نفسها.
الحرّ، صاحب الجينات الأصلية، لا يرضى الذلّ والمهانة، ولا يقبل الظلم والاستعباد. يستمدّ قوته من نقائه، يعلم أنّ كرامته هي شرفه، والشرف عظيم لا يُستهان به، فإذا انتُزعت منه كرامته فلا قيمة لحياته.
صاحب الجينات الأصلية يرفض الركوع والعيش في الذل والمهانة، تجري في عروقه العزّة، يحيا عزيزًا ويموت عزيزًا.
صاحب الجينات المبتورة الخبيثة يقبل الإهانة سرًا وعلانية، يوهم من حوله بكرامة زائفة، كرامة يستمدها من منصبه الزائف الذي لن يستمر طويلًا. مستعدّ لتقديم المزيد والمزيد من التنازلات، يبلع الذلّ والمهانة يوميًا على أمل أن يستمر في الترقّي وحصد الألقاب، أن يحافظ على المبلغ الضخم الذي يحصل عليه، وأن يظلّ وهم استقرار حياته مستمرًا.
الخلاصة: اعلم أن الاستغناء قوّة، وأنّ جبروت المستغني مخيف، فالاستغناء يُسلمك إلى الرضا، والانتقال من حالة التعلّق إلى حالة الترفّع، من حالة الانشغال بما هو أقلّ أهمية –مهما كانت خيارات الدنيا– إلى الرضا عن نفسك، وأنك غنيّ بنفسك وما تملك من مواهب وقدرات.
اعلم أن استغناءك سيظل شوكة في حلق كل أصحاب الجينات الخبيثة.