العقول المصرية التي حطمت الاسطورة وعبرت القناة!
لم يكن السادس من أكتوبر عام 1973 نصرا عسكريا مجردا ، بل كان يوم للعقل المصري الذي خطط و أعد ونفذ ، فوراء كل دبابة تقدمت، وكل طائرة أقلعت، وكل جندي رفع العلم على الضفة الشرقية للقناة ، كانت هناك عقول مصرية تعمل في صمت منذ حرب الاستنزاف وحتى لحظة العبور.
عقب نكسة يونيو 1967، أدركت القيادة المصرية أن استعادة الكرامة لا تكون فقط بإعادة بناء الجيش، بل ببناء العقل العلمي الوطني.
فصدر توجيه الرئيس جمال عبد الناصر إلى الجامعات ومراكز الأبحاث لتسخير جهود العلماء في خدمة المعركة ، وهكذا بدأ سباق وطني سري بين العلماء في مجالات الكيمياء، الهندسة، الإلكترونيات، والاتصالات ، جنبا الى جنب مع الاستعدادات العسكرية وفي خدمتها.
البداية وجبت تحية الجندي المصري البطل ، وتحية صاحب التخطيط لملحمة العبور الفريق سعد الدين الشاذلي رئيس أركان حرب القوات المسلحة، الذي وضع إطار العمل التفصيلي المعروف بـ "التوجيه 41" والملامح الأساسية لعملية "بدر" ، توجيهات غطّت كل جزئية لوجستية وفنية من عدد الجنود في المركب الذي سيعبر إلى حجم الذخائر المطلوبة وطرق حماية الجسور العائمة ، كان عمل الفريق الشاذلي منظماً علمياً ومفصلاً بحيث ترك للقادة الميدانيين مهمة التنفيذ الدقيق وقد ابدعوا في التنفيذ.
ولا يمكن فصل الانتصار عن دور المخابرات العامة المصرية وابطالها اللذين نجحوا في خلق حالة الخداع الاستراتيجي من حملات معلوماتية ومناورات وهمية وبث إشارات متعمدة لبث الطمأنينة لدى العدو بأن الجيش المصري في طور تدريب أو إصلاح، إضافةً إلى عمليات تضليل استهدفت المخابرات الإسرائيلية وأسهمت في إمرار ساعة الصفر دون تنبيه فعلي ، هذا البناء المعلوماتي كان جزءاً لا يتجزأ من منظومة عمل استخباراتي كبيرة نسقت بين الميدان ودوائر القرار.
اما علماؤنا فالأسماء كثيرة يبرز من منهم اسم الدكتور رؤوف شاكر ميخائيل، أستاذ الكيمياء بكلية العلوم جامعة عين شمس، الذي تمكن من ابتكار خلطة إسمنتية سريعة التجفيف مكنت من إصلاح ممرات الطائرات التي تتعرض للقصف خلال أربع ساعات فقط بدلاً من يومين كاملين.
ونتيجة لاختراعه، منحته الدولة جائزة الدولة التشجيعية في العلوم لعام 1968، وهو تكريم ظلّ سببه الحقيقي طيّ السرية إلى ما بعد الحرب.
في مجال آخر أكثر دقة وسرية، لمع اسم العالم المصري الدكتور محمود سعادة، الذي لعب دورًا حاسمًا في تطوير الوقود الصلب للصواريخ أثناء حرب الاستنزاف، بعد أن نجح في إعادة إنتاج الوقود محليًا بمواصفات فنية مكافئة لما كان يستخدمه السوفييت.
وقد كان لهذا الإنجاز أثر مباشر في جاهزية القوات المصرية لإطلاق صواريخ "سكود" و"ظافر"، وساهم في قرار القيادة بخوض الحرب بثقة في القدرات الذاتية.
حين جاءت لحظة العبور في السادس من أكتوبر، لم يكن الانتصار العسكري ممكنا لولا الابتكار العلمي الذي قلب موازين المعركة:
ابتكار مهندسو الجيش المصري لطريقة فتح ثغرات في الساتر الترابي باستخدام مضخات مياه الضغط العالي، وهي فكرة هندسية مصرية خالصة اقترحها المهندس اللواء باقي زكي يوسف، الذي استوحاها من عمله في مشروع السد العالي بأسوان، حيث كانت مضخات المياه تستخدم لإزالة تلال الرمال.
بهذا الابتكار البسيط والعميق في آن، تحولت الجغرافيا إلى حليف للمصريين، فانهار خط بارليف المنيع في ساعات قليلة أمام تدفق المياه، قبل تدفق الدبابات.
كما ساهمت فرق من مهندسي الهيئة العربية للتصنيع ومراكز البحوث العسكرية في تطوير أجهزة تشويش، ورادارات محلية الصنع، وأنظمة اتصال ميداني آمنة، أتاحت للقادة الميدانيين التنسيق أثناء العبور دون انكشاف للإشارات اللاسلكية أمام العدو.
ومن الأسماء البارزة في هذا المجال: الدكتور محمد حلمي، الذي عمل على تطوير أنظمة التوجيه في الصواريخ المصرية ، و المهندس سمير نجيب، أحد مبتكري أجهزة الرادار قصيرة المدى التي استخدمت في الرصد على طول الجبهة.
كذلك لم يكن العلم العسكري وحده حاضرًا؛ فمهندسو الري والطرق والسكك الحديدية قاموا ببناء كباري العبور، مثل جسر "الشط" الذي تم تركيبه في ساعات معدودة فوق القناة، بتصميم مصري وتنفيذ أيادٍ مصرية 100%.
تتضح الصورة ان الجيش المصري لم يعبر القناة وحده، بل عبرت معه جامعات مصر ومراكز بحوثها، وكل عقل مبدع لبّى النداء ، لقد كان أكتوبر ملحمة منسقة بين المقاتل والعالم، بين البندقية والمجهر، بين المعمل والخندق.
فكما قال المشير محمد عبد الغني الجمسي رئيس هيئة عمليات حرب اكتوبرفي مذكراته: " لقد خاضت مصر الحرب بسلاحين لا ينفصلان: العلم والإيمان، وكان النصر ثمرة تزاوجهما."