هند الضاوي: مارتن لوثر مُلهِم الصهيونية ومحاربها| فيديو
قالت الإعلامية هند الضاوي، إن المفكر الألماني مارتن لوثر، أحد أبرز رجال الدين في التاريخ المسيحي، كان شخصية محورية شكّلت نقطة تحول في الفكر الديني والسياسي الأوروبي، موضحة أنه يُعدّ في الوقت نفسه الملهم الأول للحركة الصهيونية ومحاربها في آنٍ واحد، حيث أدت أفكاره الإصلاحية إلى نتائج لم يكن يقصدها حينها، أبرزها ما وصفته بـ"تهويد المسيحية دون وعي أو تخطيط مباشر".
وأشارت هند الضاوي، خلال تقديمها برنامج "حديث القاهرة" المذاع عبر قناة "القاهرة والناس"، إلى أن مارتن لوثر كان رجل دين مسيحيًا ثوريًا تحدّى سلطة الكنيسة الكاثوليكية وأسّس مذهبًا جديدًا داخل المسيحية هو المذهب البروتستانتي، مؤكدة أن هذا المذهب لم يكن مجرد حركة إصلاح ديني، بل كان ثورة فكرية وفلسفية غيّرت موازين القوى في أوروبا.
دعم لوثر لليهود وتأثيره
وأوضحت الإعلامية هند الضاوي، أن مارتن لوثر، في بداياته، أبدى تعاطفًا واضحًا مع اليهود ودعا إلى معاملتهم بإنصاف في مواجهة الاضطهاد الذي كانوا يعانون منه في أوروبا، معتبرًا أن هذا الدعم شكّل الأساس الذي استغله اليهود لاحقًا لتطوير الفكر الصهيوني، وأن لوثر ألّف كتابًا تناول فيه رؤيته للعلاقة بين المسيحية واليهودية، وقد استغلت بعض الحركات اليهودية هذا العمل لتبرير فكرة "الاختيار الإلهي" التي أصبحت ركيزة من ركائز الفكر الصهيوني الحديث، مؤكدة أن تلك الأفكار تحولت مع مرور الوقت إلى أدوات سياسية ودينية استُخدمت لتوسيع النفوذ اليهودي في أوروبا.
وتابعت هند الضاوي، أن المفكر الألماني عاد في نهاية حياته ليهاجم اليهود بشدة بعد أن شعر بأنهم استغلوا أفكاره لأهداف لا تتسق مع مبادئه الدينية، مشيرة إلى أنه كتب مقولة شهيرة حملت عنوان "اليهود وألاعيبهم"، عبّر فيها عن ندمه على مواقفه السابقة، واعتبر أن اليهود يسعون لتحقيق مصالح دنيوية على حساب العقيدة، وأن هذا التحول يعكس مفارقة فكرية عميقة في مسيرة لوثر، إذ جمع بين كونه ملهمًا غير مباشر للفكر الصهيوني، وفي الوقت نفسه من أبرز من حذروا من مخاطره الفكرية في نهاية المطاف.
استغلال أوروبا لأفكار لوثر
وقالت هند الضاوي، إن الدول الأوروبية، وخاصة بريطانيا، تبنت أفكار مارتن لوثر واستغلتها كمنهج سياسي للانقلاب على السلطة الباباوية، لافتة إلى أن الإصلاح الديني الذي دعا إليه كان نقطة انطلاق لتغييرات سياسية جذرية في بنية الحكم الأوروبي، خصوصًا في القرنين السادس عشر والسابع عشر، وأن بريطانيا، في ذلك الوقت، استخدمت المذهب البروتستانتي كغطاء ديني لتبرير تحررها من سلطة الفاتيكان، مشيرة إلى أن الفكر اللوثري أصبح أحد الأدوات التي ساهمت في تشكيل الهوية السياسية الحديثة للغرب، وجعلت من الدين وسيلة لتبرير النفوذ والسيطرة بدلًا من كونه عقيدة روحانية فحسب.
وبيّنت الإعلامية هند الضاوي، أن أوروبا في تلك المرحلة تبنت فكر لوثر على مستويين: دينيًا عبر ترسيخ التوراة كمرجعية مقدسة يجب تنفيذها حرفيًا، وسياسيًا عبر دعم فكرة أن للشعب اليهودي دورًا خاصًا في التاريخ الإلهي للبشرية. هذا المزج بين التوراة والسياسة، وفق الضاوي، هو ما أسهم في ولادة الفكر الصهيوني الحديث الذي أوجد لاحقًا الأزمة التي يعاني منها العالم حتى اليوم، وأن الشعوب الأوروبية، وبريطانيا تحديدًا، اعتقدت أن تنفيذ نصوص التوراة بحذافيرها يمثل واجبًا دينيًا، وهو ما أدى إلى تغلغل المفاهيم الصهيونية في الفكر الغربي، مشيرة إلى أن هذا التوجه لم يكن وليد اللحظة، بل نتيجة تراكمات فكرية وسياسية بدأت من عصر مارتن لوثر.

مارتن لوثر بين التنوير والانقسام
وفي ختام حديثها، شددت هند الضاوي، على أن مارتن لوثر، رغم كونه أحد رموز الإصلاح الديني في العالم المسيحي، فإن إرثه الفكري ظل محل جدل واسع، لأنه فتح الباب أمام تحولات عقائدية عميقة استُغلت لأغراض سياسية، وأن تأثيره ما زال قائمًا حتى اليوم، سواء في العلاقات بين المسيحية واليهودية أو في التحالفات السياسية التي تبنتها أوروبا والولايات المتحدة لاحقًا، مشيرة إلى أن قراءة فكر لوثر بعين معاصرة تكشف كيف يمكن لفكرة دينية أن تتحول إلى محرك للتاريخ ومصدر للأزمات في آنٍ واحد.