الجرعة ما وصلتش.. حين يكون الطريق إلى العلاج أشد من قسوة المرض|معايشة
على مدار ستة أشهر، تخوض «وفاء» رحلة شاقة بين قريتها المتواضعة في بدو الفيوم والعاصمة القاهرة، بحثًا عن فرصة نجاة لابنتها الصغيرة المصابة بسرطان الدم، وسط معاناة تمتد بين أروقة المستشفيات وطوابير الانتظار الطويلة، وأمل لا ينطفئ في قلب أم قررت ألا تستسلم لأن ابنتها تستحق الحياة.
تبدأ الحكاية عندما تلقت وفاء، وهي أم لثلاثة أبناء، خبر إصابة ابنتها ذات الثلاث سنوات، بمرض سرطان الدم، لم تصدق ما سمعته في البداية، فطفلتها كانت تلعب وتضحك بالأمس القريب، لكن الفحوص الطبية أكدت الحقيقة، تقول وفاء بصوتٍ متهدج: “الدكتور قالي عندها سرطان دم، الدنيا اسوّدت في وشي، بس قلت الحمد لله على كل حال، ولازم أواجه”.
لكن سرعان ما تماسكت لتبدأ رحلة علاج شاقة، كانت أولى التحديات التي واجهت أسرة وفاء هي عدم وجود مستشفى متخصص في المحافظة التي تقطن بها، فلم تجد علاج ابنتها بالقرب منها.
مفيش مستشفيات قريب!
من هنا بدأت وفاء رحلتها الشاقة، بعدما توجهت لتلقي العلاج بالقاهرة، وتقول لـ«إيجبتك»: "في قريتنا مفيش مستشفيات فيها علاج كيماوي أو أورام، كنت كل يوم أسافر من الفيوم للقاهرة وأنا شايلة بنتي على إيدي".
لم يكن الطريق إلى القاهرة سهلاً، تخرج وفاء فجرًا من قريتها في محافظة الفيوم، تحمل طفلتها المريضة على كتفها، تستقل ميكروباص إلى القاهرة، تقول: “كنا بنسافر الفجر علشان نوصل بدري، البنت كانت بتتعب في الطريق، بس مكنش في حل تاني، في الفيوم مفيش مستشفى لعلاج الأطفال اللي عندهم أورام”.
الوجهة الأولى.. والصدمة: مفيش سرير فاضي
وجهتها الأولى كانت مستشفى 57357، الذي يُعرف بكونه الأشهر في علاج سرطان الأطفال، وصلت الأم بعد رحلة مرهقة، تحمل بين يديها التقارير والتحاليل، وعيونها ممتلئة بالرجاء: “لما وصلت كنت منهارة، قالولي لازم تسجلي اسمك، بس مفيش أماكن فاضية، قائمة الانتظار طويلة، حاولت وفاء أن تشرح لهم أن ابنتها "بتنزف"، وكان الرد: روحي معهد الأورام، مفيش سرير فاضي!".
خرجت وفاء من المستشفى والدموع على وجهها، تحمل طفلتها التي فقدت وعيها للحظات، ركبت سيارة أجرة إلى معهد الأورام القومي، تروي: وصلت منهكة، لكن القدر كان أرحم هذه المرة، في المعهد لقيت الناس سمعتني، شافوا بنتي ودخلوها فورًا الطوارئ، الأطباء كانوا متعاونين جدًا، فضلنا تلات أيام في المستشفى لحد ما بنتي استقرت شوية".
رحلة علاج الكيماوي
بدأت مرحلة العلاج الكيماوي، التي تتطلب حضورها المستشفى مرة أو مرتين شهريًا، لكنها رحلة ليست سهلة، إذ تبدأ من الثالثة فجرًا وتنتهي بعد منتصف الليل “بنركب مواصلتين لحد الفيوم، ومن هناك على القاهرة، بندخل الاستقبال ونقعد بالساعات، أقل مرة استنينا فيها كانت عشر ساعات لحد ما جه الدور”، مضيفة: أحيانًا مدة الانتظار تطول لتصل إلى 24 ساعة.
رغم شكرها المستمر للأطباء في معهد الأورام، تشكو وفاء من قلة الأدوية في بعض الأيام:" مرات يقولولي العلاج مش متوفر، استني كام يوم، وأنا ساكنة بعيد، أوقات بستنى في القاهرة لحد ما يوصل العلاج، وأوقات برجع الفيوم وبنيجي تاني".
رحلة وفاء بين مستشفيات الفيوم والقاهرة هي واحدة من مئات الرحلات اليومية لأمهات مصريات يقطعن المسافات الطويلة بحثًا عن علاج لأطفالهن، فبين مستشفى لا يستقبل، وآخر ينتظر الدواء، تبقى الأمهات وحدهن في معركة مفتوحة مع الزمن والمرض، ومع كل فجر جديد، تبدأ وفاء رحلتها من جديد، تحمل طفلتها بين ذراعيها، وعينيها إلى السماء تردد: “يا رب اشفي بنتي”.
الجرعة لسه موصلتش
بين الزحام والقلق، يجلس "محمد" صامتًا على كرسي الانتظار، يحتضن أمه التي تحاول أن تخفي خوفها بابتسامة مطمئنة، بينما تظل عيون عائلته معلقة بباب غرفة العلاج، في انتظار أن يحين دور طفلهم وألا يسمعوا الجملة التي يخشونها دائمًا: “الجرعة لسه موصلتش”.
محمد، طفل في الثانية عشرة من عمره من محافظة المنوفية، يعيش تجربة مرهقة مع العلاج الكيماوي في معهد الأورام بالقاهرة، تأتي والدته وخالته معه فجر كل يوم جلسة، يحملن التقارير الطبية وأملًا في أن تمر الأمور بسلاسة، لكن الرحلة لا تنتهي عند باب المستشفى، تقول والدته: “بنقعد بالساعات في الانتظار، بنستنى اسمه يتنادى علشان ياخد الجرعة، وكل اللي في بالي إن العلاج يكون متوفر”.
شعبة الأدوية تؤكد نقص أدوية الأورام
وفي هذا الصدد، قال الدكتور على عوف، رئيس شعبة الأدوية بالغرف التجارية، إن سوق الدواء المصري يمر حاليًا بأزمة في نقص الأدوية في جميع القطاعات، ويأتي في مقدمة نواقص الأدوية أدوية الأورام، والقلب والكلى، ويعتبر الأمر أزمة شديدة بسبب عدم توفر البدائل المتاحة لهذه النواقص ونظرًا لارتفاع أعداد المصابين بالأورام في مصر.
معهد الأورام.. الأزمة في جميع أنحاء الجمهورية
قال مصدر مسؤول بمعهد الأورام لـ«إيجبتك» إن مشكلة قوائم الانتظار ليست مقتصرة على المعهد فقط، بل تمتد إلى معظم المستشفيات في مصر، خاصة مستشفيات علاج الأورام، نظرًا للزيادة الملحوظة في أعداد المصابين بالسرطان خلال السنوات الأخيرة.
وأوضح المصدر أن هذا الضغط الكبير يتسبب أحيانًا في نقص بعض أدوية الأورام بشكل مؤقت، مشيرًا إلى أن إدارة المعهد تعمل باستمرار على توفير الأدوية وتحديث المخزون بشكل دوري لتجنب أي عجز يؤثر على سير العلاج أو حالة المرضى.