رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

من لجان الاستماع إلى «التريند».. هل تغير الذوق العام في الفن المصري؟

الإذاعة
الإذاعة

 

هل ما زال في مصر "ذوق عام" كما كان في زمن الإذاعة واللجان التي كانت تفرز الأغنيات وتقيّمها قبل أن تصل إلى أذن الجمهور؟ أم أن السوشيال ميديا قلبت الموازين وجعلت "التريند" هو الحكم الوحيد على القيمة والجمال؟ بين زمن كانت فيه لجنة الاستماع معيار الجودة، وزمن باتت فيه الشهرة تُقاس بعدد المشاهدات، يتأرجح الفن المصري بين أصالته الراسخة ومتغيرات العصر الرقمي.

في هذا التحقيق، تتباين آراء الكاتبة سلوى بكر، التي ترى أن تراجع الذوق العام ناتج عن أسباب اجتماعية وثقافية واقتصادية متشابكة، وبين رؤية الناقد الدكتور شوكت المصري، الذي يعتبر أن التغير في الذوق العام مسار طبيعي فرضته التحولات التقنية والإعلامية الحديثة، وأن الحل لا يكمن في الرقابة، بل في رفع الوعي العام.

 


كشفت الكاتبة سلوى بكر عن رأيها في الذوق العام، مقارنة بين زمن لجان الاستماع في الإذاعة التي كانت تفرز وتقيم الأغاني قبل إذاعتها، وبين الزمن الحالي الذي أصبح فيه التريند على السوشيال ميديا هو الحاكم لما يقدم من فن وغناء.

وقالت سلوى بكر إن أي ظاهرة لا يكون لها سبب واحد فقط، وإنما تتعدد أسبابها ما بين الاجتماعي والثقافي والاقتصادي، موضحة أن ظاهرة انحطاط الذوق أو التذوق الفني التي تسود المجتمع المصري الآن ترجع لعدة عوامل، في مقدمتها تراجع التعليم، مؤكدة أنه عندما نتعلم تعليمًا راقيًا فإن ذوقنا يرتقي بالضرورة.

وأوضحت في تصريح خاص لـ "إيجبتكِ" أن غياب حصة الموسيقى من المدارس منذ المرحلة الابتدائية أثّر بشكل مباشر على الذوق العام، متسائلة: "اللي ما خدوش حصة موسيقى يتذوقوا الموسيقى إزاي؟"، وتابعت قائلة: "اللي ما سمعوش الأغاني الجميلة اللي كانت جزءًا من نسيجنا زمان، زي أغنية (قطتي صغيرة)، طبيعي يبقى ذوقهم وحش"، مشيرة إلى أن مثل هذه الأغنيات كانت تُكوّن الوجدان وتُهذب الذوق الفني.

كما أشارت إلى ما وصفته بـ"الهجمة النفطية على الذوق الفني"، موضحة أن ملايين المصريين الذين عملوا في بلدان النفط تأثروا بثقافة مختلفة انعكست على ذوقهم، فأصبحت الأغاني الخالية من المعنى الجمالي طاغية، وغابت القيم الفنية الراقية.

وأكدت أن غياب لجان الاستماع في الإذاعة من أبرز الأسباب وراء تراجع الذوق العام، إذ كانت تلك اللجان تفرز الأغنيات وتقيمها قبل السماح بإذاعتها، على عكس ما يحدث اليوم حيث أصبحت منصات السوشيال ميديا هي المقياس الوحيد لانتشار الأغاني، بغض النظر عن قيمتها الفنية.

واختتمت الكاتبة حديثها مؤكدة أن هناك عدة عوامل متشابكة أثرت في الذوق الفني العام، قائلة: "يكفي إنك تفتحي الإذاعة وتسمعي الأغاني الشعبية، هتلاقيها بتذيع انحطاط فني في الأغلب".

 

التغير طبيعي.. والوعي هو الحل لا الرقابة

 

من جانبه، أكد الدكتور شوكت المصري، أستاذ مساعد للنقد الحديث بأكاديمية الفنون بالقاهرة ورئيس قسم النقد الأدبي بالأكاديمية في الإسكندرية، أن ما يحدث اليوم من تغير في الذوق العام أو في طبيعة التلقي الفني ليس أزمة رقابة أو ذوق عام، بل هو نتيجة طبيعية لتغير الوسائط الإعلامية.

وأوضح في تصريح خاص لـ "إيجبتكِ" أن الوسائل القديمة كانت محدودة، فكان الجمهور يتلقى من خلال قنوات بسيطة مثل الصحافة والراديو، ثم أضيف إليها التلفزيون، أما اليوم فقد تعددت القنوات والمنصات وأصبح لكل وسيلة شروطها ومعطياتها الخاصة، ومن الطبيعي أن يتغير الذوق تبعًا لذلك.

وأشار إلى أنه إذا أرادت الدولة التعامل مع هذه التغيرات، فليس أمامها سوى خيارين لا ثالث لهما: إما الإغلاق الكامل للتطبيقات والمنصات، وهو أمر صعب وله تبعات خطيرة، أو تقوية الجهاز المناعي للمتلقين، أي رفع وعي الجمهور بحيث يستطيع التمييز بين الجيد والرديء.

وأضاف قائلاً: "أنا لا أرى أن الحل في لجان الرقابة أو في محاولات السيطرة على المحتوى، لأن هذا أصبح مستحيلًا عمليًا، متسائلًا: كيف يمكن أن تُشكل لجان تتابع ملايين الفيديوهات المنتشرة في كل لحظة عبر الإنترنت؟ لن يمكننا ذلك مهما كانت اللجان".

وتابع: "ما نستطيع فعله هو مراقبة إنتاجنا المحلي فقط، مثل ما تنتجه شركاتنا الوطنية أو التلفزيون المصري، لكننا لا نملك سلطة على المنتج العالمي المنتشر في المنصات، وحجم المنتج المحلي لا يتجاوز نسبة بسيطة جدًا من المحتوى العالمي، ربما نصف في المئة أو خمسة في المئة على الأكثر، وبالتالي فكرة الرقابة الكاملة غير واقعية".

ولفت إلى أن بعض الدول كالصين اختارت نموذج الإغلاق الكامل، فحجبت تطبيقات مثل فيسبوك وابتكرت بدائل محلية، لكنها دفعت ثمن العزلة عن العالم الخارجي رغم نجاحها النسبي في ضبط المحتوى، موضحًا أن هذا النموذج لا يصلح في مجتمع مفتوح كالمجتمع المصري.

وقال: "الحل من وجهة نظري هو دعم المحتوى الجيد وتوسيع نطاق انتشاره، لا بد أن نقدم الجيد وندعمه دعائيًا وتقنيًا حتى يزاحم الرديء"، مؤكدًا أن دعم المحتوى الجيد لا يعني فرض وصاية أخلاقية عليه، فالفن في جوهره إبداع حر يجب دعمه وتشجيع الشباب على إنتاجه.

وشدد على أن الدولة، بمفهومها الواسع، يجب أن تنظر إلى هذه القضية كـ"مشروع وطني"، وليس مهمة حكومة أو وزارة بعينها، بل مسؤولية مشتركة تشمل الأسرة والمدرسة والجامعة ووزارات التعليم والثقافة والإعلام والمجتمع المدني، لأن بناء الذوق العام مشروع طويل الأمد لا يتحقق بين ليلة وضحاها.

وأشار إلى أن الذوق العام لا يبنى بالقرارات، بل عبر تراكم الوعي والثقافة منذ الطفولة، قائلاً: "أنا أبني الذوق من أول طفل عنده ثلاث أو أربع سنوات وحتى الأربعين، لأن تكوين الذوق عملية تراكمية تحتاج إلى وقت طويل".

وأضاف أن المنتج الرديء قد يحقق ربحًا سريعًا، لكنه لا ينتمي إلى جلدتنا ولا يعبر عن قيمنا، فلا يمكن إلزامه بمعاييرنا، ولكن يمكن تدريب شبابنا على التمييز بين الجيد والسيئ من خلال تكوين عقل ناقد.

وأكد أن التفكير النقدي هو السلاح الحقيقي في مواجهة التضليل والسطحية، قائلاً: "دائمًا أقول لطلابي في الجامعة: شاهد قبل الحذف، وفكر قبل أن تصدق، واسأل نفسك لماذا؟ التفكير النقدي ليس حكرًا على النقاد، بل هو مهارة إنسانية يجب أن نغرسها في الأجيال الجديدة".

وأشار إلى أن تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي جعل الخداع البصري والصوتي أكثر إقناعًا، مما يصعّب التفرقة بين الحقيقة والزيف، موضحًا: "نحن أمام رعب حقيقي لأن الصور والفيديوهات أصبحت تصنع واقعًا كاذبًا يبدو حقيقيًا في أدق تفاصيله، وهذا خطر على الوعي العام".

واختتم الدكتور شوكت المصري حديثه مؤكدًا أن الحل ليس في مزيد من الرقابة، بل في تربية وعي ناقد قادر على الفرز والتمييز، وأن قضية الذوق العام يجب أن تُعامل كـ"مشروع قومي لحماية الهوية"، مضيفًا: "الهوية  لغتنا ولهجاتنا وأغانينا وأدبنا وفنوننا، وهي درع المجتمع ضد أي اختراق ثقافي أو فكري".

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء