رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

شوكت المصري: الفن إبداع حر يجب دعمه |خاص

شوكت المصري
شوكت المصري

أكد الدكتور شوكت المصري، أستاذ مساعد للنقد الحديث بأكاديمية الفنون بالقاهرة، ورئيس قسم النقد الأدبي بـ أكاديمية الفنون بالإسكندرية، أن ما يحدث اليوم من تغير في الذوق العام أو في طبيعة التلقي الفني ليس أزمة تتعلق بالرقابة أو بالذوق العام ذاته، بل هو نتيجة طبيعية لتغير الوسائط الإعلامية، موضحًا أن المشكلة ليست في الناس أو في مؤسسات الدولة، ولكن في تغير وسائط الاتصال نفسها.

وأوضح في تصريح خاص لـ "إيجبتكِ": أن الوسائل القديمة كانت محدودة، فكان الجمهور يتلقى من خلال قنوات اتصال بسيطة مثل الصحافة والراديو، ثم أضيف التلفزيون، أما اليوم، فقد تعددت القنوات والمنصات، وأصبح لكل وسيلة شروطها ومعطياتها وتقنياتها الخاصة، وبالتالي من الطبيعي أن تتغير طريقة التلقي وأن يختلف الذوق تبعًا لذلك.

 تقوية الجهاز المناعي للمتلقين

وأشار إلى: أنه إذا أرادت الدولة التعامل مع هذه التغيرات، فليس أمامها سوى خيارين لا ثالث لهما إما الإغلاق الكامل لكل التطبيقات والمنصات، وهو أمر صعب وله تبعات خطيرة، أو تقوية الجهاز المناعي للمتلقين، أي رفع وعي الجمهور بحيث يستطيع التمييز بين الجيد والرديء.

وأضاف قائلاً: "أنا لا أرى أن الحل في لجان الرقابة أو في محاولات السيطرة على المحتوى، لأن هذا أصبح مستحيلًا عمليًا، متسائلًا كيف يمكن أن تُشكل لجان تتابع ملايين الفيديوهات المنتشرة في كل لحظة عبر الإنترنت؟ لن يمكننا ذلك مهما كانت اللجان".

وتابع: "ما نستطيع فعله هو مراقبة إنتاجنا المحلي فقط، مثل ما تنتجه شركاتنا الوطنية أو التلفزيون المصري، لكننا لا نملك سلطة على المنتج العالمي المنتشر في المنصات، وحجم المنتج المحلي لا يتجاوز نسبة بسيطة جدًا من المحتوى العالمي، ربما نصف في المئة أو خمسة في المئة على الأكثر، وبالتالي فكرة الرقابة الكاملة غير واقعية".

دفعت ثمن العزلة عن العالم الخارجي

ولفت إلى أن بعض الدول كالصين اختارت نموذج الإغلاق الكامل، حجبت تطبيقات مثل فيسبوك وابتكرت بدائل محلية، لكنها تحملت تبعات هذا القرار، ونجحت فيه لأنها دولة تمتلك نظامًا متكاملًا وثقافة خاصة ولغة مختلفة، ومع ذلك دفعت ثمن العزلة عن العالم الخارجي.

وقال: نحن لسنا مستعدين لذلك، ولا أظن أن هذا يصلح في مجتمعنا المفتوح، الحل من وجهة نظري هو دعم المحتوى الجيد وتوسيع نطاق انتشاره، لا بد أن نقدم الجيد وندعمه دعائيًا وتقنيًا حتى يزاحم الرديء.

وأكد أن دعم المحتوى الجيد لا يعني فرض الوصاية الأخلاقية عليه، موضحًا: "أنا أتحدث عن الجودة بمعناها الفني وليس الأخلاقي، الفن لم يعد توجيهًا قوميًّا ولا دينيًّا، بل إبداع حر يجب دعمه وتشجيع الشباب على إنتاجه.

مشروع وطني

وشدد على: أن الدولة، بمفهومها الواسع، يجب أن تنظر إلى هذه القضية كـ"مشروع وطني"، وليس مهمة حكومة أو وزارة بعينها، بل مسؤولية مشتركة تشمل الأسرة والمدرسة والجامعة ووزارة التعليم والثقافة والإعلام والمجتمع المدني وكل مؤسسات الدولة.

وتابع: علينا أن نخلق حوافز تشجع النشء والشباب على القراءة والوعي، مثل تقديم منح للطلاب المثقفين والمتميزين فنيًا أو رياضيًا، لأن بناء الذوق العام لا يتم بين ليلة وضحاها، بل هو مشروع طويل يحتاج إلى سنوات من التراكم.

وأشار إلى: أن الذوق العام لا يبنى بالقرارات، بل عبر تراكم الوعي والثقافة منذ الطفولة حتى النضج، وقال: أنا أبني الذوق من أول طفل عنده ثلاث أو أربع سنوات وحتى الأربعين، لأن تكوين الذوق عملية تراكمية تحتاج إلى وقت طويل.

وأضاف: المنتج الرديء قد يحقق ربحًا سريعًا، لكنه لا ينتمي لجلدتنا ولا يعبر عن قيمنا ولا عن أخلاقنا، فلا يمكن إلزامه بمعاييرنا، ولكن يمكن تدريب شبابنا على التمييز بين الجيد والسيئ من خلال تكوين عقل ناقد.

التفكير النقدي هو السلاح الحقيقي في مواجهة التضليل والسطحية

وأوضح أن التفكير النقدي هو السلاح الحقيقي في مواجهة التضليل والسطحية، وقال: "دائمًا أقول لطلابي في الجامعة: شاهد قبل الحذف، وفكر قبل أن تصدق، واسأل نفسك لماذا؟ التفكير النقدي ليس حكرًا على النقاد، بل هو مهارة إنسانية يجب أن نغرسها في الأجيال الجديدة.

وأشار إلى أن تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي "AI" جعل الخداع البصري والصوتي أكثر إقناعًا، مما يصعّب التفرقة بين الحقيقة والزيف، وقال: "نحن أمام رعب حقيقي لأن الصور والفيديوهات أصبحت تصنع واقعًا كاذبًا يبدو حقيقيًا في أدق تفاصيله، وهذا خطر على الوعي العام".

وأكد أن الحل ليس في مزيد من الرقابة، بل في تربية وعي ناقد وقادر على الفرز والتمييز، مضيفًا: علينا أن نرفع الوعي المجتمعي بالقدرة على تمييز الحقيقة من الزيف، وأن نعتبر قضية الذوق والوعي مشروعًا قوميًا لحماية هويتنا.

وأضاف: الهوية ليست مجرد شعار، بل هي لغتنا ولهجاتنا وأغانينا وملابسنا ومعتقداتنا وأدبنا وفنوننا، وهي درع الوقاية الوحيد للمجتمع ضد أي اختراق أو استلاب ثقافي أو فكري.

وتابع قائلاً: الاستهداف الخارجي اليوم لم يعد عسكريًا فقط، بل اقتصادي وثقافي وإعلامي، من خلال استهلاك مفرط ودعاية موجهة ومنتجات تستنزفنا فكريًا وماديًا، ولذلك لا بد من مشروع وطني شامل لمواجهة ذلك بالوعي والمعرفة.

واختتم الدكتور شوكت المصري حديثه قائلاً: موضوع الذوق العام ليس بسيطًا، ولا يمكن معالجته بلجان أو قرارات، إنه تحدٍ حضاري يتطلب فكرًا جمعيًا، ومشاركة من المفكرين والساسة والمبدعين وكل مؤسسات الدولة، الذوق العام جزء من ثقافة الأمة، يبنى ببطء ويهدم بسرعة، وبناؤه يحتاج مشروع دولة حقيقية، هدفها رفع الوعي وحماية الهوية، لا المنع ولا الإغلاق.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء