حكم إسلام الزوجة مع بقاء الزوج على دينه الأول.. دار الإفتاء تجيب
قالت دار الإفتاء: إنّ المرأة التي أسلمت حديثًا يحرم عليها تسليم نفسها لزوجها غير المسلم؛ لقول الله تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾؛ ولكن لا تحصل الفرقة بينهما حتى ترفع أمرها إلى القاضي ليقوم بإبلاغ الزوج؛ فيعرض عليه الإسلام، أو تعرضه عليه بنفسها، ويستحب لها في سبيل ذلك أن تحسن له القول وأن يكون ذلك بالحكمة: فلو أسلم استمرت الزوجية بموجب العقد القديم، ولو أبى الإسلام حكم القاضي بالفرقة بينهما، وهي فرقة طلاق بائن، وتبدأ العدة من تاريخ حكم القاضي بالطلاق.
أكّدت أنّه إذا أسلم الزوجان معًا، ولم تكن الزوجة ممَّن يحرم عليه ابتداء الزواج بها كالمحرَّمة بنسب أو رضاع، فهما على نكاحهما الأول سواء كان هذا قبل الدخول أو بعده؛ لأن الشرع قد أقر الكفار على أنكحتهم، فهم يقرون عليها إذا أسلموا أو تحاكموا إلى المسلمين، من غير أن يُنظر إلى صفة عقدهم وكيفيته، ولا يعتبر له شروط أنكحة المسلمين من الولي والشهود وصيغة الإيجاب والقبول وأشباه ذلك؛ فقد أسلم خلق في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأسلم نساؤهم، وأقروا على أنكحتهم، ولم يسألهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن شروط النكاح ولا كيفيته، وهذا أمر علم بالتواتر والضرورة، وقد نُقل الإجماع على ذلك.
الحكم إذا أسلم الزوج والزوجة من أهل الكتاب
أوضحت دار الإفتاء أنّه إذا أسلم الزوج وحده وكانت الزوجة من أهل الكتاب ولم تكن ممن يحرم عليه ابتداءً، فهما على نكاحهما الأول، سواء كان قبل الدخول أو بعده؛ لأن نكاح الكتابيات مباح للمسلم؛ لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ فالكتابية محل لنكاح المسلم ابتداءً فكذا بقاء.
إسلام الزوجة وبقاء زوجها على غير الإسلام
وقالت الإفتاء إنّه إذا أسلمت الزوجة وبقي زوجها على دينه، فالمختار للفتوى: أنه إن كان إسلامها قبل الدخول فتتعجل الفرقة؛ لأن هذا هو الأصل، أمّا إن كان إسلامها بعد الدخول وأسلم زوجها قبل انقضاء عدتها فهما على نكاحهما، وإن انقضتِ العدة ولم يسلم الزوج خلالها فلها حرية الاختيار، فإن اختارت أن تتزوج من تشاء فلها ذلك، لكن لا بد أن ترفع الأمر إلى القاضي؛ لكي يفسخ عقد النكاح، وإن اختارت أن تتربص وتنتظر إسلامه ولو طالت المدة فلها ذلك، ويعتبر في هذه الحالة النكاح موقوفًا، فإن أسلم فهما على نكاحهما الأول دون الحاجة إلى تجديد عقد النكاح مع اعتبار وقوع الانفصال الحسي وتوقف المعاشرة الزوجية بينهما من أول إسلامها.
أدلّة المسألة
استدلّت دار الإفتاء بما ورد في عدّة أحاديث نبوية منها: ما ثبت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ردَّ ابنته زينب على أبي العاص بالنكاح الأول، فقد روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: "رَدَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ زَيْنَبَ ابْنَتَهُ عَلَى زَوْجِهَا أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ، وَلَمْ يُحْدِثْ شَيْئًا" فدل فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذا على أن رد المرأة علـى زوجهـا بعد إسلامـه لا يحتاج إلى تجديد وإن طال الزمان وانقضت العدة.
وثاني الأدلة: ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "أسلَمَتِ امرأةٌ على عَهدِ رسولِ الله صلَّى الله عليه وآله وسلم، فتزوَّجَتْ، فجاء زوجُها إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: يا رسولَ الله، إني قد كُنْتُ أسلَمتُ وعَلِمَت بإسلامي، فانتزعَها رسولُ الله صلَّى الله عليه وآله وسلم منْ زَوْجِهَا الآخرِ، ورَدَّها إلى زوجها الأول".
ووجه الدلالة: عدم استفصاله صلى الله عليه وآله وسلم هل علمت زوجته بإسلامه قبل انقضاء عدتها أم لا؟ مما يدل على أن العدة لا اعتبار لها، وذلك بناءً على أن ترك الاستفصال في وقائع الأحوال مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال.
الثالث: ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: "كَانَ المُشْرِكُونَ عَلَى مَنْزِلَتَيْنِ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ وَالمُؤْمِنِينَ: كَانُوا مُشْرِكِي أَهْلِ حَرْبٍ، يُقَاتِلُهُمْ وَيُقَاتِلُونَهُ، وَمُشْرِكِي أَهْلِ عَهْدٍ، لاَ يُقَاتِلُهُمْ وَلاَ يُقَاتِلُونَهُ، وَكَانَ إِذَا هَاجَرَتِ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِ الحَرْبِ لَمْ تُخْطَبْ حَتَّى تَحِيضَ وَتَطْهُرَ، فَإِذَا طَهُرَتْ حَلَّ لَهَا النِّكَاحُ، فَإِنْ هَاجَرَ زَوْجُهَا قَبْلَ أَنْ تَنْكِحَ رُدَّتْ إِلَيْهِ، وَإِنْ هَاجَرَ عَبْدٌ مِنْهُمْ أَوْ أَمَةٌ فَهُمَا حُرَّانِ، وَلَهُمَا مَا لِلْمُهَاجِرِينَ"
وقالت الإفتاء: إنّ معنى ذلك: أن نكاحها الأول يبقى قائمًا، ولكنه موقوف، بمعنى عدم حل المعاشرة الزوجية بينهما حتى إذا تزوجت من آخر انحل العقد الأول، وإذا أسلم زوجها قبل أن تتزوج غيره ردَّت إليه.
وبيّنت أنّ وما اختارته للفتوى مخالف لرأي فقهاء المذاهب الأربعة، حيث يرى المالكية والشافعية والحنابلة أنه متى انقضت العدة ولم يُسلِم الزوج وقعت الفرقة بينهما.و أن الزوجة إذا أسلمت وبقي زوجها على دينه سواء كان هذا في ديار المسلمين أو ديار غير المسلمين حرمت المعاشرة الزوجية ومقدماتها بينهما على الفور، وتقوم بعرض الإسلام عليه بنفسها، أو توكل من يقوم بهذا الأمر، فإن أسلم فهما على نكاحهما، وإن بقي على دينه حتى انقضاء العدة، فالزوجة مخيَّرة بين أن تطلب فسخ عقد الزواج على وجه التراضي مع زوجها أو برفع الأمر إلى القاضي ليفسخ نكاحها، أو أن تنتظر إسلام زوجها، ووقتما أسلم فهما على نكاحهما.
واختتمت الإفتاء: الأمر في ديار المسلمين سهل، فهي لا تمكث معه في بيت واحد، وبمجرد رفع الأمر إلى القاضي سيطلقها، أما في ديار غير المسلمين فالأمر صعب، فإن استطاعت أن لا تمكث معه في بيت واحد فهو المتعيَّن، وإلا جاز، ومع ذلك فلا بد وأن تتحرز من الانكشاف أمامه، وقد يتأخر فسخ العقد إلى سنوات، ولكن عليها بالصبر وعدم الزواج من آخر حتى ينفسخ عقد الزواج رسميًّا، حتى لا تتعرض لمشكلات كثيرة.

