رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

ذكرى رحيل أنيس منصور.. رحالة الفكر وفيلسوف الصحافة

أنيس منصور
أنيس منصور

«أنا أديب كنت وسأظل، أعمل في الصحافة»، بتلك الكلمات عبر الأديب الكبير أنيس منصور الذي تحل اليوم ذكرى رحيله عن قناعته بأن الصحافة ليست سوى امتداد طبيعي للأدب والفكر، لم يكن مجرد كاتب موسوعي، بل ظاهرة ثقافية عبرت حدود التخصصات والأنواع الأدبية، جمع بين العقل الفلسفي والخيال الأدبي، وبين روح الرحالة ووعي المفكر، وبعد أربعة عشر عامًا على رحيله، ما زالت كلماته تجوب الآفاق، شاهدة على زمنٍ آمن فيه الكتاب بأن القلم يمكن أن يكون جواز سفر إلى العالم.

من هو أنيس منصور

وُلد أنيس منصور في 18 أغسطس عام 1924 بإحدى قرى محافظة الدقهلية شرق دلتا النيل، ونشأ في بيت يقدر العلم ويحفظ القرآن الكريم، فتمكن من حفظه كاملًا وهو في التاسعة من عمره، وهي المرحلة التي يرويها في كتابه «عاشوا في حياتي» باعتبارها أول اتصال له باللغة والجمال والمعنى.

أكمل دراسته الثانوية في مدينة المنصورة، وتفوق على مستوى الجمهورية، ثم التحق بكلية الآداب جامعة القاهرة، حيث اختار قسم الفلسفة عن رغبة شخصية، بدأ بعدها مشواره الأكاديمي أستاذًا للفلسفة الحديثة في جامعة عين شمس بين عامي 1954 و1963، قبل أن يعود إليها لاحقًا عام 1975.

من الفلسفة إلى الصحافة

لم يطل المقام بأنيس منصور في مقاعد الجامعة، إذ اجتذبته الصحافة بما فيها من حيوية واحتكاك بالحياة اليومية، انضم إلى مؤسسة «أخبار اليوم» في بداياته، ثم انتقل إلى «الأهرام» عام 1950، حيث لمع اسمه بين أبرز كتاب جيله.

كان دائم القول: «أنا أديب كنت وسأظل، أعمل في الصحافة»، معبّرًا بذلك عن قناعته بأن الصحافة ليست سوى امتداد طبيعي للأدب والفكر.

حضر صالون الأديب الكبير عباس محمود العقاد بانتظام، وهناك التقى عمالقة الفكر والأدب مثل طه حسين وتوفيق الحكيم وسلامة موسى، وسجل تلك المرحلة في كتابه الشهير «في صالون العقاد كانت لنا أيام»، الذي يُعد شهادة حية على الحياة الثقافية المصرية في منتصف القرن العشرين.

ريادة في العمل الصحفي

تولى أنيس منصور خلال مسيرته عدة مناصب قيادية، منها رئاسة تحرير «أخبار اليوم»، و«آخر ساعة»، و«الأهرام»، و«الهلال»، وكان من أصغر رؤساء التحرير في تاريخ الصحافة المصرية.

وفي عام 1976 كلفه الرئيس أنور السادات بتأسيس مجلة «أكتوبر»، التي تحولت سريعًا إلى منبر سياسي وثقافي مهم، واستمر في رئاستها حتى عام 1984.

الأديب الرحالة

تميز أنيس منصور بإسهاماته الثرية في أدب الرحلات الحديث، وهو المجال الذي أعاد إليه الحياة في العصر المعاصر، مقدّمًا للقارئ العربي تجربة مختلفة تجمع بين المعرفة والمتعة.

من أبرز كتبه في هذا الباب

حول العالم في 200 يوم، الذي دون فيه مشاهداته عبر قارات العالم بأسلوب يجمع خفة الظل وعمق التأمل، اليمن ذلك المجهول، أنت في اليابان وبلاد أخرى.

اللغات والترجمة

كان أنيس منصور من القلائل الذين امتلكوا موسوعية لغوية نادرة؛ فقد أتقن الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية والروسية واللاتينية، مما مكنه من الاطلاع المباشر على الفكر الغربي، وترجمة عدد من الأعمال الفلسفية والأدبية التي أثرت المكتبة العربية.

أسلوبه وعاداته في الكتابة

اشتهر منصور بعادات غريبة في الكتابة؛ إذ كان يكتب في الرابعة صباحًا، حافي القدمين، مرتديًا البيجاما، ويخشى البرد ويعاني الأرق، كانت الكتابة لديه طقسًا وجوديًا أكثر منها مهنة، لذا جاءت لغته مشبعة بالتأمل والسخرية والدهشة، قادرة على مخاطبة القارئ ببساطة دون أن تفقد عمقها.

الجوائز والتكريمات

نال أنيس منصور جائزة الدولة التشجيعية في الأدب، كما حصل على الدكتوراه الفخرية من جامعة المنصورة، وجائزة الفارس الذهبي من التلفزيون المصري، إلى جانب تكريمه في مهرجانات أدبية عديدة داخل مصر وخارجها، وأقيم له تمثال في مدينة المنصورة تخليدًا لمسيرته الثقافية.

رحيله وإرثه الثقافي

في مثل هذا اليوم 21 أكتوبر عام 2011، رحل أنيس منصور عن عمر ناهز 87 عامًا بعد صراع مع المرض، تاركًا وراءه إرثًا فكريًا يزيد على 150 مؤلفًا بين الفلسفة والرواية والمقال والترجمة والرحلات.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء