رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

منذ توقف الحرب على غزة، لم يعد الحديث يقتصر على حجم الدمار أو أرقام الضحايا، بل بدأت معركة أقل ضجيجًا لكنها لا تقل أهمية: من الدمار الى الاعمار.

والسؤال الجوهري هنا: من لديه الصلاحيات لكي يُعيدها كما كانت، وكيف يمكن إدارة هذه العملية المعقّدة دون أن تتحول إلى ساحة جديدة للصراع السياسي؟
فهذه العملية، ليست مجرد مشروع هندسي أو مالي أو يفترض أن تكون إنسانية في جوهرها، بل سرعان ما تتخذ طابعاً سياسياً معقّداً، تتشابك فيه المصالح الإقليمية والدولية، وتتنازع فيه القوى على النفوذ أكثر مما تتنافس على بناء ما تهدّم.

مرحلة ما بعد النزاع عادةً ما تكون فرصة لإعادة ترتيب البنية السياسية والاقتصادية للمناطق المنكوبة. وفي غزة، تتضاعف هذه المعادلة تعقيدًا بسبب تداخل الأدوار بين المستويات المحلية والإقليمية والدولية.

في ظاهر الأمر، تبدو مشاريع إعادة الإعمار ضرورة إنسانية عاجلة، فالملايين في القطاع بلا مأوى أو خدمات أساسية. لكن في العمق، تتحول هذه المشاريع إلى أداة لإعادة توزيع السيطرة وترسيم ملامح المرحلة السياسية المقبلة. فكل طرف يسعى لأن يكون له اليد العليا في التمويل أو الإشراف أو التنفيذ، لأن من يُعيد البناء اليوم قد يملك القرار غداً.

ويحدد من يملك الموارد، ومن يقرر أولويات التنمية، ومن يُمنح شرعية القيادة. وهكذا، يصبح الإعمار عملية إعادة هندسة للسلطة، ما يجعلها ساحة جديدة لممارسة النفوذ بأدوات اقتصادية وإنسانية في آنٍ واحد.

وهذه الحقيقة تجعل من مرحلة الإعمار مساحة لإعادة رسم المشهد، لا على مستوى الحجر فقط، بل على مستوى موازين القوى والشرعية.
قد يبدو مشهد الإعمار مبادرة تضامنية تهدف إلى إعادة الحياة لقطاع أنهكته الحروب.

لكن خلف الكواليس، تدور سباقات نفوذ بين قوى عربية وإقليمية تسعى إلى تثبيت موطئ قدم في البيئة السياسية الجديدة في فلسطين.
وقد تتشكل تحالفات غير معلنة أو مرئية تجمع بين أطراف فاعلة — سياسية واقتصادية وإغاثية — تتقاطع مصالحها حول شكل الإدارة المستقبلية للقطاع في المرحلة الانتقالية.

هذه التحالفات لا تُبنى بالضرورة على انسجام سياسي، بل على تفاهمات ظرفية غالبًا ما تتعلق بالموارد والنفوذ والرمزية الإنسانية. 
وفي ظل غياب رؤية وطنية جامعة، سوف تملأ هذه الشبكات الفراغ السياسي، فتتحول عملية الإعمار إلى مسرح تنافسي ناعم تُدار فيه العلاقات بقدر من البراغماتية العالية والضباب السياسي.


والسؤال الأعمق الذي يواجه أي مشروع إعادة بناء في غزة هو: كيف يمكن تحقيق الإعمار دون المساس بالسيادة الوطنية؟
لأن هذا المشروع يواجه تحديًا بنيويًا يتمثل في الموازنة بين الاستقلال الوطني والاعتماد على الدعم الخارجي. فالاعتماد على الدعم الخارجي — المالي أو التقني — يخلق معادلة معقدة، إذ يتيح فرصًا للتنمية لكنه في الوقت ذاته يفتح الباب أمام اشتراطات سياسية غير مباشرة. تتعلق بمسار الحوكمة وإدارة الموارد، ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول مدى قدرة الفاعلين المحليين على حماية القرار الوطني من التأثيرات غير المباشرة.

وهنا تكمن المفارقة: فكل دعم مشروط يختبر قدرة الفاعلين المحليين على حماية استقلال القرار، وكل مشروع تنموي يحمل في داخله بذور إعادة تشكيل النفوذ.
فتعقيد المشهد لا يتوقف عند الحدود الإقليمية، بل يمتد إلى الداخل الفلسطيني أي لا يمكن فصل إعادة الإعمار عن التوازنات الفلسطينية الداخلية، حيث تتقاطع الشرعية السياسية مع السيطرة الميدانية، وتتشابك الأدوار بين المؤسسات الرسمية والهيئات المحلية والفاعلين المجتمعيين.

هذه التعددية قد تمنح قوة في التنوع، لكنها قد تُضعف القدرة على بناء نموذج إداري متماسك، ما لم يتم التوافق على رؤية وطنية موحدة لإدارة المرحلة القادمة تقوم على الشفافية والمساءلة وتوزيع الأدوار بوضوح.

إعادة إعمار غزة اختبار للسياسة والحوكمة، يكشف طبيعة التحولات السياسية القادمة ويختبر قدرة الفاعلين الفلسطينيين على صياغة مشروع وطني جامع يتجاوز التنازع الداخلي والمنافسة الإقليمية.

المعركة المقبلة لن تكون على خطوط الجبهة، بل في كواليس البناء، حيث تُعاد صياغة خرائط النفوذ ومفاهيم السيادة. ولن يُقاس مستقبل غزة بسرعة ترميم المباني فقط، بل بمدى قدرتها على بناء نموذج حكم رشيد قائم على الإدارة الفعّالة والسيادة الوطنية.
 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء