بين مؤيد ومعارض.. تاريخ ممتد من تهميش الكاتبات وطمس إبداعهن
بدأ وجود النساء على الساحة الإبداعية أو الثقافية منذ ما يزيد بقليل عن المئة عام، ولم يكن طريق الإبداع أمام المرأة سهلًا، بل كان يتم تحت مظلة ذكورية لسيطرة الرجل على كل مناحي الحياة آنذاك.
كان حصول المرأة على التعليم شيئًا غير اعتيادي ولا تحصل عليه بسهولة، خاصة لو لم تكن من عائلة ثرية، وعلى الرغم من ذلك استطاعت بعض النساء من الحصول على قدر من التعليم ساعدهن على الولوج للمجال الأدبي.
تم تهميش هؤلاء النسوة على الرغم من تأثيرهم البالغ حتى إنه تم طمس منجز بعضهن الأدبي فلا نعرف عنه شيئًا. من الممكن أن يكون هذا التهميش مفهومًا في فترة من الفترات السابقة، لكن اللافت أن هذا التهميش المتعمد استمر ومورس ضد المرأة المبدعة، خاصة في مجال الأدب نوع من الإقصاء حتى إن هناك عددًا من المبدعات انتحرن نتيجة لهذا الإقصاء.
زينب فواز صاحبة أول رواية عربية
زينب فواز (1844- 1914) كاتبة لبنانية كان لها آراء فكرية لبرالية تدعو إلى تحرير المرأة ومساواتها بالرجل، ونشرت العديد من المقالات التي كانت تنادي بتحرير المرأة والتي سميت بالرسائل الزينبية في كثير من الصحف مثل المؤيد والتيل والأهالي والأستاذ وغيرها، وكل الأفكار التي نادت بها زينب فواز هي ما روج له قاسم أمين في كتابه تحرير المرأة، فزينب فواز بدأت تنشر في الصحف سنة 1892، ونشر قاسم أمين كتابه سنة 1898.
وتعتبر بلغة العصر أيضًا ناشطة اجتماعية، فهاجمت اللورد كرومر، وكانت ترد على الكتابات التي كانت ضد المرأة، وعرفت بسبب كتابتها الصحفية في البيوت الأرستقراطية، ولقبت في حياتها بدرة الشرق.
تركت مصر وعادت إلى لبنان وتوفيت هناك، ليندثر تراثها، وما قامت به من كتابات، بل إن البعض يلمح أن قاسم أمين سطا على تراثها الصحفي.
رواية مثل زينب لمحمد حسنين هيكل صدرت بعد صدور روايتها بأربعة عشر عامًا، وعلى الرغم من ذلك يتم تجاهل أنها صاحبة السبق في هذا، وينسب لمحمد حسين هيكل.
وتساق الحجج هنا بأن رواية حسين هيكل، ربما يكون سبب هذا التهميش والطمس أنها من عائلة فقيرة فلا خوف من عائلتها، ولا يوجد من يحافظ على تراثها أو بسبب وقاتها في نسقط رأسها بعد طلاقها من زوجها المصري، أو أن الأفكار التحررية التي تبنتها أزعجت الرجال، بالإضافة أنه لا تحرر إلا من خلال المظلة الذكورية.
مجلة جاليري 1968 تخلو من الكتابات النسائية
صدرت مجلة جاليري سنة 1968 وذلك في أعقاب النكسة المصرية، وكانت تعتبر رسالة احتجاج عن النكسة لم يصدر فيها أي كتابة لامرأة، على الرغم من أن حقبة الستينيات كان يتم فيها الترويج للمساواة بين الرجل والمرأة، لكن هذا غير موجود على مستوى الأدب، وكأنه شعارات فقط، ذلك على الرغم من وجود كاتبات حققن نجاحات كبيرة مثل سلوى بكر ولطيفة الزيات وسنية قراعة وعنايات الزيات.
تعرضت عنايات الزيات على سبيل المثال لا الحصر للتهميش والرفض، حتى أقدمت على الانتحار ولم يعرف أحدًا عنها شيئا إلا بعد أن قدمت الكاتبة والشاعرة إيمان مرسال كتابًا عنها (في إثر عنايات الزيات)، وقدمت رواية وحيدة اسمها (الحب والصمت) والتي نُشرت بعد وفاتها بتقديم مصطفى محمود ولاقت ترحيبًا نقديًا، في حين أنه في حياتها لم تستطع نشرها.
كما نشر أنيس منصور في 18 مارس 1967، مقالة في جريدة الأخبار، ولكن صدر كتابها بعد وفاتها بسنوات؛ حيث أشار فيها إلى قيام عنايات الزيات بعرض انتاجها الأدبي الذي وصفه «بالمتواضع»، من مقالات ومشروع قصص قصيرة، وتأملات رغبة منها في الاستفادة برأيه.
وتشير إيمان مرسال في كتابها أن الكاتب أنيس منصور كرس معظم المقالة لعرض أحداث الرواية ومقتطفات منها، ولكنه أثناء ذلك قدم معلومات متناثرة لما يعرفه عن عنايات، ومنها أنه أعطى لها ملاحظاته على مسودة الرواية، وهي رفضت أن تأخذ بها، كما أشار إلى أن الكاتبة لا تعرف اللغة العربية إلا بصعوبة، وأن كل دراساتها بالألمانية.
جوائز الدولة التقديرية تتجاهل الكاتبات المصريات
لم تحصل أي كاتبة مصرية على جائزة الدولة التقديرية منذ نشأة الجائزة إلا فاطمة المعدول سنة 2025 وكأنه لا يوجد كاتبة تستحق أن تحصل على الجائزة، وكأن أسماء مثل سلوى بكر ونوال السعداوي ورضوى عاشور لم تكن تستحق الجائزة وغيرهن من الأسماء في مجال الكتابة والإبداع.
كان يجب أن نحصل على آراء الكاتبات المصريات المعاصرات حول هذا لتهميش وبسؤال الكاتبة دينا الحمامي حول تهميش دور المرأة الكاتبة قالت: إن التهميش الذي يكافح المجتمع الثقافي لنكرانه والتغافل عنه، يتصدر كل مظاهر الحياة الثقافية بشكل غير واع، وبنمط يبدو منظمًا في ظاهره، إلا أنه مشبع بقناعات تحجيم نالت المرأة وكل ما يخصها، حتى بلغ ممارستها لدورها الثقافي، ومن رجال يفترض بهم الترفع عن هذه الممارسات. تعاني المرأة الكاتبة تهميشًا مزدوجًا، مرة عندما لا تقدر موهبتها بالحجم الذي يناله رجال يقلون عنها موهبة وتجربة، وأخرى عندما تتجاهلها جموع القراء، مقارنة باهتمامهم بالكتاب الرجال، ولدينا نسبة المبيعات تحكم.
حتى في الجوائز الأدبية المحلية والعربية والعالمية، يمكننا ملاحظة الفرق الشاسع بين عدد الكتاب الحاصلين على نوبل والبوكر العالمية والجائزة العالمية للرواية العربية، وعدد الكاتبات اللائي رشحن لهذه الجوائز. حتى في الاهتمام النقدي، لا تحظى معظم الكاتبات بالزخم الذي يحصده الكثير من الكتاب من أرباع وأثمان المواهب تهمش الكاتبة حين تكتب، وحين تجد قارئًا يعترف بأحقيتها في الحضور والانتشار، وحين تحصل على جائزة رمزية كتقدير عن جهدها الإبداعي، عندما تجد إبداعها محصورًا في أسئلة توجه لها من قبل المتخصصين قبل العوام عما إذا كانت نصوصها ذاتية أم من محض خيال خالص، على عكس الرجل الذي حين يكتب لا يجد كل هذه الأعين المترصدة، الفاحصة الباحثة المفتشة في نوايا النص، والمحاكمة له.
المبالغة في تمكين المرأة
قالت الدكتورة أمنية صلاح الباحثة والكاتبة رأيًا مخالفًا، إنه لا يوجد أي تهميش حالي، فهي ترى أن هناك مبالغة في تمكين المرأة ، بدليل جائزة القدس لأدب المرأة، والتي وصلت فيها للقائمة الطويلة، هناك العديد من هذه الجوائز، في حين أنه لا توجد جائزة واحدة مخصصة للرجال أو محرم على المرأة المشاركة فيها.
واستطرت أنه لو كان هناك تهميش فهو ممكن أن يكون لكتاب الأقاليم؛ حيث أعتبر كاتبة سكندرية، وهذا بسبب مركزية القاهرة.
مصطلح الأدب النسوي في أساسه هو مصطلح إقصائي، فالأدب في أساسه فعل إنساني لا يعتمد على النوع، وإذا كانت المرأة تكتب عن أحلامها ومشكلاتها وآلامها ونوعها يعتبر كتابة نسائية، فهل كتابة الرجل عن مشاكله وأماله وما يعانيه كتابة ذكورية؟ وقيامة بالكتابة عن المرأة ومحاولة التحدث بلسانها كتابة ذكورية أيضًا.
وئام أبو شادي: هناك حالة من الإنصاف تسللت لروح المشهد الثقافي
قالت الشاعرة والقاصة وئام أبو شادي إن المرأة كاتبة مبدعة في المشهد الثقافي شهدت تحولات تاريخية لدورها الفكري والثقافي، ولطالما كانت داعمة وفاعلة، فهي جزء أصيل من الحركة الثقافية، لكن النظرة الخلفية في كل الدوائر الشرقية لم تعترف بتلك المساحات المتكافئة بينها وبين المثقفين من الرجال سوى أنها بين قوسين وليست وجهًا إنسانيًا خالصًا له ما للرجل من صوت ومواقف واستحقاق.
وأضافت: أرى طفرة بدت جلية الآن في الحركة الأدبية والثقافية بفرض وعيها وحضورها القوي في دائرة الضوء في كل الفعاليات والجوائز والصالونات الأدبية وانتقال الصوت الناعم إلى مرآة التغيير والاعتراف بإرادتها وإنجازها، كما أرى حالة من الإنصاف لتأثيرها الإنساني الإبداعي تسللت إلى روح المشهد بأكمله، فدور الكاتبة المصرية ليس دورًا ترفيهيًا أو نسويًا بالمعنى المحدود المتعارف عليه للصورة النمطية التي صدرتها الكليشيهات المعلبة كظل.
وتابعت: الكاتبة المصرية هي الحدث نفسه وهو الصوت الذي تنطلق منه القضايا والتوجهات الإبداعية أدبية كانت أو فنية أو إعلامية.. باعتبارها واجهة وطنية للتحضر وسفيرة للغته وأهم أدواته للنهوض لمواكبة التغيير العربي والعالمي.

