حكم إجبار الزوجة على الإجهاض.."الإفتاء" تحسم الجدل
قالت دار الإفتاء؛ إنّ الله تبارك وتعالى كرّم الإنسان وفَضَّله على سائر مخلوقاته، وحَرَّم كل اعتداء عليه بغير حق من نفسه أو من غيره؛ فحرم قتل الإنسان نفسه أو غيره ولو كان ولده؛ فقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾.
حكم إجهاض الجنين بعد نفخ الروح فيه
وأوضحت دار الإفتاء أنّ الفقهاء متفقون على أَنَّ الجنين إذا بَلَغ في بطن أمه مائة وعشرين يومًا -وهي مدة نفخ الروح فيه- فإنه لا يجوز إسقاطه ويَحْرُم الإجهاض قطعًا في هذه الحالة؛ لأنه يعتبر قتلًا للنفس التي حَرَّم الله قتلها إلَّا بالحق، وإذا نُفخ فيه الروح فإنه قتلُ نفسٍ إجماعًا.
حكم إجهاض الجنين قبل نفخ الروح فيه
وأكّدت الإفتاء، أنّ اختلاف الفقهاء إنّما هو في إذا لم يَبْلُغ الجنين في بطن أمه مئة وعشرين يومًا فما هو حكم إنزاله؟
وتابعت: ذهب الحنفية إلى إباحة إسقاط الجنين قبل نَفْخ الروح فيه عند وجود العذر لذلك؛ أَمَّا المالكية فالمعتمَد عندهم عدم جواز إنزال الجنين قبل الأربعين يومًا، وقال بعضهم بالكراهة؛ وذهب اللَّخمي إلى القول بجواز إنزاله قبل الأربعين.
وتابعت الإفتاء: وذهب الشافعية في الراجح عندهم إلى القول بجواز إنزال الجنين قبل نفخ الروح فيه، وذهب الإمام الغزالي إلى اعتبار ذلك جناية يتفاحش جُرْمها كلما اقترب مِن نفخ الروح.
وذهب الحنابلة في معتمد مذهبهم إلى القول بجواز إسقاط الجنين ما دام نطفة، وعدم جوازه إذا صار علقة أو ما بعدها.
المختار للفتوى في حكم إجهاض الجنين قبل نفخ الروح فيه
وأكّدت الإفتاء أنّ المختار للفتوى هو ما ذهب إليه الحنفية مِن عدم جواز إنزال الجنين قبل نفخ الروح فيه إلَّا إذا وجد عذر لذلك يُقَرِّره الأطباء المختصون؛ لأنَّه وإن لم يُنْفَخ فيه الروح بعد إلَّا أنَّه موجودٌ وحاصلٌ، فلا يعتدى عليه، ومآله بعد ذلك -إن أراد الله- إلى نفخ الروح، فلا يَعْتدِي الإنسان على هذه السيرورة بدون عذرٍ؛ فإن وُجِد عذرٌ قَرَّره الأطباء يقتضي نزوله فلا مانع مِن ذلك.
حكم إجبار الزوج زوجته على إجهاض الجنين
وقالت دار الإفتاء : إنّه لا يجوز الاعتداء بإنزال الجنين قبل نفخ الروح فيه -بدون عذر يقتضي ذلك- أو شُرْب دواء تعمدًا لإنزاله، وكذلك لا يجوز للزوج إجبار زوجته على إنزال الجنين ولو قبل نفخ الروح فيه؛ ولا تطيعه الزوجة في ذلك؛ لما رواه الشيخان واللفظ للبخاري، عن عبد الله رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: «السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ عَلَى المَرْءِ المُسْلِمِ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلاَ سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ».
وأكّدت الإفتاء، أنّ الطاعة لا تكون إلَّا في المعروف؛ لما ورد عن علي رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ بَعَثَ جَيْشًا، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا، فَأَوْقَدَ نَارًا، وَقَالَ: ادْخُلُوهَا، فَأَرَادَ نَاسٌ أَنْ يَدْخُلُوهَا، وَقَالَ الْآخَرُونَ: إِنَّا قَدْ فَرَرْنَا مِنْهَا، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ، فَقَالَ لِلَّذِينَ أَرَادُوا أَنْ يَدْخُلُوهَا: «لَوْ دَخَلْتُمُوهَا لَمْ تَزَالُوا فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»، وَقَالَ لِلْآخَرِينَ قَوْلًا حَسَنًا، وَقَالَ: «لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ».
وتابعت الإفتاء : “وإذا كانت الزوجة ملزمة بطاعة زوجها فإن هذه الطاعة ليست مطلقة”، وإنما مقيدة بقيود، ومن هذه القيود: ألَّا تكون هذه الطاعة في معصية الله؛ فروى الإمام البخاري عن أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها: أَنَّ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ زَوَّجَتِ ابْنَتَهَا، فَتَمَعَّطَ شَعَرُ رَأْسِهَا، فَجَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَتْ: إِنَّ زَوْجَهَا أَمَرَنِي أَنْ أَصِلَ فِي شَعَرِهَا، فَقَالَ: «لَا، إِنَّهُ قَدْ لُعِنَ المُوصِلَاتُ».
واختتمت الإفتاء : لا يجوز إجبار الزوجة على إسقاط هذا الجنين ولو لم يُنْفَخ فيه الروح، ما دام أنَّه ليس هناك عذرٌ يقتضي إنزاله؛ فإنَّه وإن لم يُنْفَخ فيه الروح بعدُ إلَّا أنَّه موجودٌ ومتحقَّقٌ فلا يُعْتَدى عليه، ومآله بعد ذلك -إن أراد الله- إلَى نفخ الروح؛ ولا طاعة للزوج في هذا الأمر، فطاعته مقيدة بألَّا تكون في معصية

