«شبح الجبل الشرقي»|أشرف العشماوي يختص «إيجبتك» بجزء من مشروعه الأدبي الجديد
اختص الكاتب الكبير أشرف العشماوي موقع «إيجبتك» بجزء من فصل من قصة حقيقية من مشروعه الأدبي الجديد الذي يعمل عليه في الوقت الحالي، ولم يصدر للنور.
قصة «شبح الجبل الشرقي»:
في عام 1911، صارت السكك الحديدية العمود الفقري لمواصلات مصر بعد إعادة تطويرها على يد الخديوي إسماعيل ومن بعد ابنه محمد توفيق باشا حتى اكتمل التطوير في عهد عباس حلمي الثاني، وفي ليلة من ليالي شتاء يناير كان القطار المتجه من أسيوط إلى القاهرة يعبر الصعيد محمّلًا بالركاب والتجار والموظفين، وأيضًا بأموال الحكومة المخصصة لدفع المرتبات من حصيلة الضرائب التي تم تحصيلها من المديريات.
خرج القطار من محطة المنيا متأخرًا ساعة عن موعده، بسبب وصول صندوق حديدي ضخم يحوي حصيلة ضرائب مديرية المنيا والقرى التابعة لها، قُدّرت المبالغ التي كانت على متن القطار، بما فيها صندوق ضرائب المنيا، بأكثر من 15 ألف جنيه ،لكنها كانت تحت حراسة عسكريين فقط بالعربة الأخيرة، ربما كان الأمر مقصودًا لعدم لفت الأنظار لهذه الغنيمة إذا ما تم تشديد الحراسة، مع ذلك وصل خبر نقل الصندوق الأخير من مديرية المنيا إلى عصابة بدوية يقودها شقي خطير يُدعى سلطان أبو غريب، عرفته الصحف والأهالي وقتها بلقب “شبح الجبل الشرقي”، ربما لأنه كان يختبئ في شعاب الجبال الشرقية بين المنيا وأسيوط، ولا يجرؤ البوليس على ملاحقته هناك، خاصة بعد ما دارت عدة معارك بينهم في مطلع القرن العشرين منذ سبع سنوات أو يزيد، وانتهت كلها بعودة البوليس بخُفَّي حُنين.
ما إن دخل القطار منطقة صحراوية بين بني مزار ومغاغة حتى فوجئ السائق بأكوام من الحجارة الضخمة موضوعة على القضبان، ومؤكد لم يستطع التوقف بالقطار في الوقت المناسب فاصطدم بها، وخرجت بعض العربات عن مسارها، وخلال دقائق انقض عشرات الرجال الملثمين على العربة الأخيرة، بعضهم مسلح ببنادق قديمة، والباقون يحملون عصيًا وسيوفًا، أطلقوا النار في الهواء ولوحوا بالعصي وأشهروا السيوف في وجه الركاب، ثم أجبروا الحارسين على الاستسلام، توجهوا مباشرة صوب الهدف، فتحوا الصندوق الحديدي وارتاحت ملامحهم لمحتوياته، لكن عندما هموا بالفرار فوجئوا ببقية الصناديق راقدة على مقربة وكأنها بانتظارهم، أطلقوا مزيدًا من النيران ابتهاجًا بالغنيمة غير المتوقعة، وخلال دقائق نقلوا الأكياس التي تحوي العملات الذهبية إلى ظهور الجِمال، التي كانوا قد خبّأوها في وادٍ قريب وأتوا بها بعد إيقاف القطار، العملية كلها لم تستغرق أكثر من عشرين دقيقة، لكن المدهش في أقوال الشهود أن اللصوص لم يتعرضوا للركاب بالسرقة، واكتفوا بالمال الحكومي، حتى إن بعض الشهود قالوا إن المعلم سلطان أبو غريب، رئيس العصابة أو شبح الجبل الشرقي كما كانوا يسمونه، عندما لمح بادرة شروع من أحد رجاله لسرقة راكب رفع صوته عليه محذرًا ثم ظل يكرر أثناء العملية العبارة ذاتها ليطمئن الناس "مال الحكومة بس، مش مال الغلابة".
وربما هذا ما جعل الحادث يُروى بعدها في الصحف لفترة طويلة وعلى المقاهي أيضًا كأسطورة شعبية، وليس مجرد سطو مسلح.
بعد الحادث عمّت الفوضى لفترة بالسكك الحديدية وخاف الناس من ركوب القطار خاصة في الليل ، وبالفعل توقفت حركة القطارات بين القاهرة وأسيوط لأيام، وشنّت قوات البوليس، مدعومة بكتيبة من الجيش، حملات مطاردة واسعة في القرى والنجوع، مشطت فيها الغيطان وفتشت البيوت ، بحثًا عن أي خيط يقود ولو لرجل من رجال الشبح، لكن سلطان أبو غريب ورجاله اختفوا تمامًا في شِعاب الجبال الشرقية، وقيل وقتها إنه حصل على معاونة من بعض البدو وساعدوه على الاختباء، فقد كانوا يرونه على ما يبدو مقاومًا لجمع الضرائب الكبيرة من الأهالي وأيضًا يساعد البسطاء والمساكين بما يسرقه من مال حكومي .
صار سلطان هدفا للصحافة بالطبع لغرابة قصته والأساطير التي نسجت حوله، وخرجت الصحف آنذاك بعناوين مثيرة، لكن أبرزها كان من نصيب جريدة الأهرام ”عصابة الجبل تهزم الحكومة” مما أدى إلى حالة استنفار عظيمة بين قوات البوليس، التي دُعمت بكتيبة ثانية من الجيش وشارك بعض الانجليز في التخطيط لشن حملة مكبرة وعمل مصيدة لسلطان ورجاله بحسب تعبير الصحف وقتها.
استمرت مطاردة عصابة سلطان أبو غريب لأكثر من شهرين، حتى قُبض عليه أخيرًا في نهاية أبريل 1911، بوشاية من أحد رجاله، مقابل عفو من الحكومة عن شقيق الواشي والمقبوض عليه في جريمة اعتداء على عسكري أسترالي كان يخدم ضمن قوات الجيش البريطاني وقتها. لا توجد معلومات عن كيفية الضبط لكن المتاح أنه وسط تحت حراسة مشددة بمعايير هذا الزمان، جرت محاكمة علنية في القاهرة لسلطان أبو غريب، بعد نقله وعصابته في قطار مخصوص بحراسة مائة جندي مسلح، ولم تُفتح أبواب القطار في كل محطة توقف فيها للاستراحة قبل الوصول إلى القاهرة. في تلك المحاكمة التي حضرها جمهور غفير من أهالي الصعيد، ظلوا يهتفون بحياة سلطان أبو غريب في كل جلسة، حتى اضطرت هيئة المحكمة لعقد الجلسة في غير علانية بغرفة المداولة واقتصر الحضور على المحامين فقط، ويوم الحكم انتشر رجال البوليس والمخبرون السريون حول مبنى المحكمة ، ومنع الأهالي والجماهير من حضور لحظة النطق بالحكم .
حُكم على سلطان أبو غريب بالأشغال الشاقة المؤبدة، ثم خُفف الحكم بعدها بعدة سنوات إلى السجن لعشر سنوات فقط بمرسوم من السلطان حسين كامل وتحديدًا في مطلع عام 1915 بعدما استبعد الانجليز الخديوي عباس حلمي الثاني ، وقيل إن العفو السلطاني بسبب ضغوط من بعض الأعيان في مديرية أسيوط بمناسبة الانتخابات ، وخوفا من ضياع أصوات الناخبين الذين كان شبح الجبل الشرقي يمد لهم يد المساعدة من الغارات الحكومية التي يشنها على المال العام ، وهم بالطبع كانوا يرون سلطان أبو غريب بطلًا شعبيًا لا قاطع طريق.
جدير بالذكر أنه خلال جلسات المحاكمة وقبل جلسة النطق بالحكم بجلسة واحدة، حدث مشهد درامي غير مسبوق، حين حاول ابن سلطان أبو غريب - وكان في مطلع شبابه - أن يتدخل لإنقاذ أبيه من السجن محاولا تهريبه بالقوة، حدثت الواقعة داخل قاعة المحكمة، عندما انقضّ الابن فجأة على الحرس، محاولًا كسر القفل بشومة خبأها تحت جلبابه عند دخوله القاعة مع الجمهور، علت صرخات النساء وحدثت جلبة من الحاضرين، لكن ضباط البوليس سارعوا إلى السيطرة عليه بعد لحظات من الفوضى العارمة. جُرّ الابن إلى خارج القاعة والدم ينزف من جبينه، بعدما ضرب رأسه في أسياخ القفص عندما فشلت المحاولة، فيما ظل الأب يصرخ ويطرق قضبان الحديد من الداخل بقبضتيه كوحش جريح، وربما كان يلعن القضاء والقدر.
أصدرت المحكمة لاحقًا حكمًا بحبس الابن سنة واحدة بتهمة مقاومة السلطات والشروع في تهريب أحد المحبوسين، فصار مصيره امتدادًا مأساويًا لمصير أبيه، رغم ـن المحكمة وقتها استعملت معه الرأفة وخففت العقوبة من السجن إلى الحبس .
بعدها لم تظهر أية أخبار عن سلطان أو ابنه وانصرفت عنه الصحف تمامًا، ولا نعرف إذا ما كان قد مات بالسجن أو خرج بعد عشر سنوات لممارسة ذات النشاط أو غيره، أو ربما يكون قد هرب عندما وقعت عام 1916 حادثة هروب جماعية من أحد السجون العمومية بالقاهرة، ولم يستطع البوليس إعادة مسجون واحد من الهاربين، وتم التعتيم على الخبر في حينه، أيضًا لم يظهر أحد من رجال سلطان أبو غريب بعد هذه الواقعة التي كانت من الجرائم الكبرى وقتها والأغلب أنهم ماتوا بالسجون التي دخلوها، فالحكم خُفف لسلطان أبو غريب وحده دون غيره من رجاله، مع أنه كان أخطرهم على الإطلاق، لكن السياسة وقتها كان لها رأي أخر ودائمًا ما يختلف عن رأي العدالة.