الفول المدمس.. قصة عشق لا ينتهي مع المصريين
لا يمكن الحديث عن مائدة الإفطارفى مصر دون أن يلوح في الأفق عبق الفول المدمس، ذلك الطبق الذي أصبح جزءًا من ذاكرة المصريين ووجدانهم منذ آلاف السنين، لا يقتصر التعلق بالفول على قيمته الغذائية ورخص ثمنه، بل يكمن في ذكريات الصباحات الباكرة حيث رائحة القدر يغمر الشارع، وفي السحور الرمضاني يجتمع الأحباب على طبق دافئ يغني عن أي شيء آخر، الطبق هذا لم يكن مجرد وجبة، بل هو احتفال يومي بالحياة، برائحة الكمون والليمون، وبلمسة الزيت البسيطة التي تحول الحبوب إلى قصة تتناقلها الأجيال مهما مرت السنين.
قصة أصول الفول المدمس
تعود أصول الفول المدمس إلى عصور الفراعنة، حيث كان المصريون القدماء يطبخونه في قدور كبيرة، تُصنع في البداية من الفخار، ثم النحاس، وصولًا إلى الألومنيوم في العصر الحديث وكان يتم وضع القدور في الرماد الساخن داخل المستوقد، لتظل تنضج ببطء حتى تصبح جاهزة للأكل، ومن هنا جاء اسم "مدمس" بمعنى "الفول المدفون"، وهو تعبير مصري قديم يشير إلى طريقة الطهي الفريدة، ولم يقتصر الأمر على المصريين القدماء فقط، بل يروي التاريخ أيضًا أن رجلًا يونانيًا يُدعى ديموس كان أول من استخدم حرارة حرق المخلفات لتسوية الفول، لتنتشر الطريقة فيما بعد بين سكان مصر، ويكتسب الفول المدمس شهرة كبيرة بين العامة.

اختلاف طبق الفول ونكهته فى كل محافظة بمصر
اشتهرت القاهرة بالفول بالزيت والليمون والكمون، والإسكندرية بالفول بالطحينة والبصل وزيت الزيتون ويعرف بالفول الاسكندرانى، والدلتا بالفول بالطماطم والكزبرة، بينما تميز الصعيد بالفول الحار مع الصلصة والثوم، وجميع هذه الطرق تؤكد مكانة الفول في التراث الشعبي المصري، ليس فقط كوجبة أساسية، بل كجزء من الثقافة اليومية.
انتقل إلى الدول العربية
انتشر الفول المدمس لاحقًا إلى الدول العربية، فالسودان عرفه باسم "حبيب الشعب" وأصبح جزءًا من وجبة "البوش"، مع خبز الفتة واللبن الرائب، بينما انتقل إلى السعودية عن طريق الحجاج المصريين ليصبح طبقًا رئيسيًا على مائدة الإفطار في معظم مناطق المملكة وعلى الرغم من بعض الروايات التي تشير إلى وجود الفول المدمس في فلسطين وأوروبا قبل آلاف السنين، يبقى المصريون أكثر الشعوب تعلقًا بهذا الطبق والذي جمع بين بساطة المكونات وغنى الطعم، وبين تاريخ طويل من العادات الغذائية والتقاليد الرمضانية.

