من رصيف الشقاء إلى حلم الكشك الصغير.. أم كريمة تحلم بحياة كريمة في قلب طنطا
على أحد أرصفة شارع علي مبارك في مدينة طنطا بمحافظة الغربية، تجلس الحاجة أم كريمة صاحبة الـ65 عامًا، بعينين أنهكهما الزمن ووجه يحمل ملامح الحكايات الصعبة، وبجوارها بضع ثمرات من الخضار هي كل ما تملكه في دنياها.
وتحكي وهي تحاول إخفاء دمعة سقطت رغمًا عنها:" سِني كبر وبقيت مش قادرة أشتغل، والناس عاوزين يمشوني من مكان فرش الخضار اللي هو بيتي وشغلي في نفس الوقت، أنا قاعدة في الشارع، وببات فيه، لا سقف يحميني من حر الصيف ولا جدار يصد عني برد الشتا.
الحاجة أم كريمة ليست سوى واحدة من آلاف قصص الكفاح الصامتة التي تمر يوميًا دون أن تُسمع، لكنها تختلف لأنها لم تستسلم، ما زالت تحاول أن تعيش بكرامة رغم قسوة الظروف، تحكي أن الناس في الحي يعرفونها جيدًا، بعضهم يعطيها طعامًا أو يدًا حانية حين تمر الأيام قاسية بلا رزق. تقول بصوت مرتجف لكنه مفعم بالأمل: نفسي في كشك صغير يسترني أحط فيه شوية الخضار اللي الناس جابتهم لي، بدل ما أكون في الشارع بالشمس والمطر.
وتروي أن أحد الأهالي رقّ لحالها ومنحها 500 جنيه، فاشترت بهم قليلًا من الخضار لتبدأ من جديد تبيع ما تستطيع وتعيش بما يرزقها الله به يومًا بيوم، معتبرة أن الرصيف هو بيتها ومصدر رزقها في الوقت نفسه، بعدما عجزت عن إيجاد مأوى أو عمل يناسب سنها.
الحاجة أم كريمة
وتضيف بنبرة تمزج بين الرجاء والتعب:“ مش عايزة حاجة من الدنيا، غير مكان بسيط أقعد فيه، كشك صغير أفرش فيه خضاري وأستر نفسي، بدل ما الناس كل شوية تقول لي امشي من هنا، أنا ست كبيرة ومليش حد يسندني”.
رسالتها وصلت إلى كل من مرّ بجانبها، فصوتها يختصر معاناة عمر طويل من التعب والخذلان، ونداؤها موجّه إلى محافظ الغربية اللواء أشرف الجندي:" أن ينظر إليها بعين الرحمة ويوفر لها كشكًا بسيطًا تسترزق منه وتعيش ما تبقى من عمرها بكرامة".
في كل زاوية من طنطا قصص تشبه قصة أم كريمة، لكن صوتها كان الأعلى لأنها لا تطلب صدقة ولا عطفًا، بل حياة كريمة تحفظ كرامتها الإنسانية وتعيد لها حقها في أن تعيش مثل سائر الناس، وربما لا تملك أم كريمة سوى الرصيف وبعض الخضار القليل، لكنها تملك شيئًا أغلى من ذلك كله: الإصرار على الحياة والأمل في رحمة الله وعدالة القلوب الرحيمة.