مبدعوا العمل الواحد.. ضربة حظ أم عبقرية خاطفة؟
قد لا يحتاج الخلود الأدبي إلى أكثر من نص واحد صادق نابع من تجربة حقيقية، فبعض أشهر الأعمال الإبداعية في مصر والعالم هي أعمال وحيدة لمبدعيها صنعوها، ولم يصنعوا غيرها ورغم ذلك خلدتهم في مجال الإبداع للأبد.
ولعل خير دليل على ذلك ابن زريق وقصيدته الوحيدة:
لا تَعـذَلِيـه فَإِنَّ العَـذلَ يُـولِعُـــهُ قَد قَلتِ حَقـاً وَلَكِن لَيسَ يَسمَـعُـهُ
جـاوَزتِ فِي لومـه حَـداً أَضَـرَّ بِـهِ مِن حَيـثَ قَـدرتِ أَنَّ الللوم يَنفَعُـه
فَاستَعمِلِـي الرِفـق فِي تَـأِنِيبِـهِ بَـدَلاً مِن عَذلِهِ فَهُوَ مُضنى القَلبِ مُوجعُهُ
قد كان مضطلعا بالخطب يحمله فضيقت بخطوب الدهر أضلع
يكفيه من لوعة التـشـتـيت أن لـــه مـــن النـــوى كـــلَّ يــوم مــا يـروّعــه
هذه هي القصيدة الوحيدة المعروفة للشاعر ابن رزيق البغدادي، والتي كتبها الشاعر لزوجته التي يحبها وتحبه، ولكنه اضطر لتركها والذهاب لبلاد الأندلس باحثا عن سعة الرزق، ويحاول أن يجد عملا، ولكنه يمرض ويموت ويدفن بعيدا، ويجدون معه هذه القصيدة، والتي يعبر فيها عن حبه لزوجته، وقد توفي سنة 420 للهجرة، ولا يعرف له شعرا آخر غير هذه القصيدة.
إيملي برونتي ومرتفعات ويذرنج
إيميلي برونتي هي واحدة من ثلاث شقيقات احترفن الكتابة الأدبية في إنجلترا في القرن التاسع عشر، ولم تكتب إلا رواية وحيدة (مرتفعات ويذرنج) والتي تحتل قيمة رفيعة في الأدب العالمي.
وعلى الرغم من أن إيملي برونتي لم تحظى بالشهرة في أثناء حياتها ولم تسعى إليها بسبب خجلها الزائد، حتى أنه تم إطلاق لقب (أبو هول) الأدب عليها، فهي كانت تكتب فقط لنيل الرضاء الذاتي، إلا أنها فيما بعد حققت روايتها مكانتها العظيمة، فهي كانت نوعا جديدا في فن الرواية في القرن التاسع عشر، ولا تزال رواية ملهمة للعديد من الكتاب والمبدعين في العالم.
مارجريت ميتشيل والموت في حادثة سير
هي كاتبة أمريكية ولدت في مدينة أتلانت سنة 1900، وعملت محققة صحافية، وتزوجت من رئيس تحرير جريدة أتلانتا التي كانت تعمل بها، واعتزلت الكتابة الصحافية، وبعد انتهاء زواجها تفرغت مارجريت ميتشيل لكتابة روايتها ذهب مع الريح والتي أنجزتها خلال عشر سنوات .
كان لها أقارب عاصروا الحرب الأهلية الأمريكية فكانوا هم المادة الأساسية لكتابة هذه الرواية.
أصيبت ميتشيل بمرض عضال جعلها تجلس في المنزل وقتا طويلا فكانت كتابة هذه الرواية هي ملاذها لتسرية الوقت، ولم تتوقع أن تلاقي هذه الرواية كبيرة الحجم النجاح عند طباعتها، إلا أن نجاحها فاق كل التوقعات ، وحققت مليون نسخة في ستة أشهر. ترجمت الرواية لكل لغات العالم وتم إنتاجها فيلما سنة 1939 وحازنجحا كبيرا.
رفضت مارجريت عمل جزء ثانيا من الرواية، وتم تقديم جزءا ثانيا لها سنة 1990 من تأليف ألكسنرا ريبلي ولكن لم بلق النجاح المنشود.
توفيت في باريس إثر حادث سير أثناء تطوعها في الصليب الحمر في فترة الحرب العالمية الثانية، أثناء وجودها هناك لتوصيل الامدادات لبلدة فوميه الفرنسية.
قنطرة الذي كفر وعبقرية العامية المصرية
قنطرة الذي كفر هي رواية وحيدة للكاتب الدكتور مصطفى مصطفى مشرفة، الأخ الأصغر لعالم الرياضات الشهير علي مصطفى مشرفة، وقد أحدثت ثورة كبيرة عند صدورها سنة 1943.
الرواية رائدة في الكتابة بالعامية المصرية وتدور أحداثها من خلال ثورة 1919، وهي من أوائل الروايات التي استخدمت ما يطلق عليه تيار الوعي.
(اللي كفر) وهو اسم الجنرال كفاريللي حاكم القاهرة أثناء الثورة الفرنسية، وأطلق عليه العامة للتسهيل اسم اللي كفر، وكانت توجد قنطرة تصل لبيته في درب الجماميز فأطلق عليها لقب قنطرة اللي كفر. واستخدمت للتعبير عن بطل الرواية عبد السلام قنطرة.
لفترات طويلة أعتقد أن كاتب هذه الرواية الدكتور علي مصطفى مشرفة، ولكن هذا خطئا شائعا تم تلافيه فيما بعد.
زينب فواز وأول رواية عربية
يعتقد البعض أن رواية زينب للكاتب محمد حسين هيكل هي أول رواية عربية، ولكن ضحد وزير الثقافة الأسبق حلمي النمم هذا الاعتقاد في الدراسة التي قدمها عن زينب فواز وهي كاتبة سوريةأ قامت في مصر لفترة طويلة فقد أصدرتها سنة 1899 أي قبل رواية زينب بخمسة عشر عاما، وعلى الرغم من وجود أعمال أخرى لها، إلا أن رواية (غادة الزاهرة) أو حسن العواقب هي روايتها الوحيدة، فما كتبته قبل هذه الرواية كان كتبا في التراجم وديوان شعر ومسرحية واحدة .
والرواية بها نزعة تحررية تؤكد حق المرأة في الاختيار، وقد يكون السبب في تجهيل زينب فواز وتاريخها كونها تبنت أفكارا تحررية لم تكن لترضي المجتمع العربي المحاف آنذاك
الجمال الأسود آنا سيول
أنا سيول وهي كاتبة إنجليزية ولدت سنة 1820 وتلقت تعليما جيدا على يد والدتها، وفي عمر الرابعة عشرة تصاب في قدمها إصابة بالغة تجعلها تعتمد على الخيول في الحركة، فكتب روايتها االوحيدة عن الخيول، ووكان الجمال الأسود اسم الحصان في الرواية نشرت الرواية سنة 1877، وكانت الرواية موجهة للبالغين، إلا أنها أصبحت أشهر رواية للأطفال في العالم، وبسببها تم لفت انتباه جمعيات الرفق بالحيوان على الاهتمام بالخيول.
توفيت آنا بعد صدور روايتها بخمسة أشعر سنة 1878، هذه المؤلفات وغيرها تشير إلى أن خلود الإبداع ليس بالوفرة، فربما عمل وحيد يخلد صاحبه، وأعمال كثيرة لأديبة ما تنسى كأنها لم تكن.