رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

بين الشك والروحانية: تجربتي مع الدراويش وموالد آل البيت

إيجبتكِ

بعد سنينَ طوال قضيتُها تتفيهًا وتسفيهًا وتجهيلًا وتحقيرًا لأصحاب المظهر المُستفِزِّ من وجهة نظري، قرَّرتُ أن أقتحم عالمهم الجَلِيَّ الخَفِيَّ؛ لأكسب ثواب توعيتهم وتعقيلهم.

في تلك الفترات من حياتي كانت لدَيَّ عقيدة بأني الحق وما عداي باطل لنشأتي السلفية، وكثيرًا ما حذَّرْتُ والدي من تكبُّده عناء السفر لحضور مولد السيدة زينب أو الإمام الحسين في عمل من أعمال الشرك بالله.

ودار الزمان دورته؛ لأفاجأ بنفسي داخل خيمة في مولد السيدة زينب جالسًا بأريحية بجانب أحد أقطاب الصوفية، وزاد حيوية المشهد استضافة إعلاميين أمريكيين داخل الخيمة يوثِّقان فاعليات الاحتفال، وكانت أعينهما تنضح انبهارًا بالأجواء الروحانية من حولهما.

استفرَّ لساني شيخ طريقة انطلق أمام الكاميرات الأمريكية في تجليات وشطحات، فصحت به "إنت عارف الكلام اللي بتقوله معناه إيه؟!".

سمعت من خلفي الجموع تقول "ما تقاطعش مولانا"، فأشحتُ إليهم، وقلت بنبرة حاسمة "ما حدش يتكلم".

أقبلت الكاميرات، واستقرَّت على لقطةClose Two Shot ، يمين الكادر وجهي المُتحفِّز لشطحات شيخ الطريقة، ويساره وجه الشيخ يغلي من جرأتي عليه. 

ومع سخونة الأجواء واقتراب عقارب الساعة من الثانية بعد منتصف الليل قام الشيخ وهو يتمتم في الكلام، وتَوقَّفَ التصوير. أمسك مولانا القطب بيدي في هدوء، وسار بي حتى باب الخيمة، واضعًا يده على كتفي، وهمس لي: "بالراحة على الناس يا أستاذ (...)".

ثم عاد إلى مجلسه، وقال: "يا أولاد، ده مكان الأستاذ (...) جنبي. ما حدش يقعد هنا غيره".

هنا لم تنتهِ القصة، ولكن بدأت، ففي المولد التالي للسيدة زينب وداخل خيمة مولانا القطب رأيت درويشًا يحمل قِرْبة من القرون الوسطى، تتناسب مع مظهره الذي يؤكد أنه خارج على التَّوِّ من بطون كتب التراث.

كل هذا لم يلفت انتباهي، فطبيعي أن يستحضر التاريخ هذه الأنماط البشرية ضمن فاعليات موالد آل البيت، ولكن ما حدث معه من أعجب وأطرف الحكايات التي تُحكَى في ألف ليلة وليلة.

كان الرجل يحمل مَجِّين من الفضة، وتملأ وجهَه بسمةٌ يكسوها نور يخترق بريقُه شغاف قلبك، ويأمرك بأن تتأدَّب. اقترب مني بهدوء ناعم، وقدَّم لي "مجّ" الماء، وقال ببسمة سماوية "اتفضل.. ببركة آل البيت".

تواضعُه الظاهر يُبطِن هيبة ووقارًا؛ لذا مِلْتُ على مولانا القطب، وسألته "أدِّي له فلوس؟". قال "يبقى أفضل". أعطيته خمسة جنيهات، ففرح بها، وقال "تُستثمَر ببركة آل البيت".

دقائق وتحوَّلت سكينة الدرويش إلى غضب شديد وهو يشيح إلى رجل أعطاه مائة جنيه، ويصيح به: "مش باشحت منك".

ولم تُفلِح أي محاولات لإرضائه. حاولت أفهم ما يحدث، فهمس مولانا في أذني: "دي أحوال.. ما تركزش فيها".

عدتُ وأنا أترقب الساعات المُتبقِّيَة على اليوم التالي؛ لأسارع بالذهاب إلى خيمة مولانا.

جلست بجوار القطب أنتظر قدوم الدرويش. ما إن دخل الخيمة حتى أقبل إليَّ إقبال العالم بحالي. ألقى السلام، ثم جلس القرفصاء أمامي بخشوع وضعَني بين الجرأة والحياء.. بسمتُه شجَّعتني على أن أفتح الحوار الذي فكرتُ فيه جيدًا: "هاسألك بس بشرط ما تزعلش مني". قال بيقين يغرسه في قلبي: "عمري ما أزعل منك. أنا من خدَّام أهل البيت".

"أنا مش من آل البيت".

"إنت من آل البيت، ومن نسل الإمام الحسن".

لم أهتمَّ بجملته؛ لثقتي التامة بأنها غير صحيحة، وسألته: "ليه بتصبّ المية في مجِّين فضة؟".

"عشان الدهب حرام"!

وعقَّب "مية آل البيت مزمزمة، ولازم تتقدِّم في أنفس شيء".

سألته عن فرحته بالخمسة جنيهات التي أعطيتها له، وانفعاله على من أعطاه مائة، وقلت له "إنت وعدتني ما تزعلش مني.. إنت فعلًا بتشحت".

تَفحَّصَني على استحياء قائلًا "مش باشحت.. دي بركة آل البيت"، وانصرف بعد نظرةٍ طمأنَتْني أنه لم يغضب مني. 

كان مولانا يتابع الحوار بعيني الواثق من نهايته. قلت له "ممكن أفهم؟".

"قلت لك دي أحوال".

وأمام إلحاحي ووعدي له أني لن أسأل مرة أخرى، قال "ده اسمه (...) رجل أعمال، ومتعة حياته إنه يكون من خُدَّام آل البيت".

ووضع يده على كتفي، وقال "الخمسة جنيه هتُستثمر ببركة آل البيت في خط إنتاج.. قلت لك دي أحوال فما تسألش".       

قلت له "خلاص مش هاسأل تاني".

"لا اسأل عن نسبك، وهتتأكد بنفسك إن كلام الدرويش صحيح".

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء