علاء عبد السلام: مهرجان الموسيقى العربية منصة للهوية وذاكرة للفن العربي|حوار
تواصل دار الأوبرا المصرية رسالتها الثقافية والفنية العريقة، عبر احتضانها واحدًا من أهم الفعاليات الموسيقية في المنطقة، وهو مهرجان ومؤتمر الموسيقى العربية، الذي يشكل حدثًا سنويًا ينتظره جمهور الفن في مصر والعالم العربي.
وفي دورته الجديدة، يفتح المهرجان أبوابه ليؤكد أن الموسيقى العربية ما زالت قادرة على التجدد والتأثير، وأن الأصالة يمكن أن تواكب الحداثة دون أن تفقد هويتها.
وحول فلسفة المهرجان ورسالته وأهدافه، كان لنا هذا الحوار مع الدكتور علاء عبد السلام، رئيس دار الأوبرا المصرية.

في البداية، كيف تقيّمون المكانة التي وصل إليها مهرجان الموسيقى العربية بعد أكثر من ثلاثة عقود من انطلاقه؟
الحقيقة أن المهرجان أصبح اليوم أحد أهم الفعاليات الموسيقية في العالم العربي، ليس فقط لأنه الأقدم أو الأشهر، بل لأنه الأكثر ثباتًا واستمرارية، منذ انطلاقه في مطلع التسعينيات وهو يحتفظ بخصوصيته كمهرجان يجمع بين الطابع الفني والبحثي في الوقت نفسه، ونحن لا نقدّم حفلات غنائية فقط، بل نؤسس لفكر موسيقي متجدد من خلال المؤتمر العلمي المصاحب، الذي يناقش قضايا الهوية، والتعليم الموسيقي، ومستقبل الغناء العربي”.
والمهرجان أصبح مرجعًا للموسيقى العربية، وأعتقد أن هذا النجاح يرجع إلى التزام الأوبرا المصرية برسالتها في صون التراث وإعادة تقديمه للأجيال الجديدة.
ما الفلسفة التي تنطلق منها دار الأوبرا في تنظيم هذا المهرجان كل عام؟
فلسفة المهرجان تقوم على ثلاثة محاور رئيسية: الحفاظ على التراث، دعم الإبداع الجديد، وبناء جسور التواصل بين الأجيال، ونحن نؤمن أن التراث ليس مادة جامدة تُعرض للتاريخ، بل هو طاقة متجددة تلهم المبدعين المعاصرين، لذلك نحرص في كل دورة على تقديم مزيج من الأصوات الكلاسيكية والحديثة، من النجوم الكبار إلى الشباب الواعدين”.
نسعى إلى إبراز التنوع الموسيقي العربي؛ فالمهرجان ليس مصريًا فقط، بل عربي الهوية، يشارك فيه فنانون من مختلف الدول العربية، لنؤكد وحدة الذائقة والوجدان”.
هذا العام اختار المهرجان السيدة أم كلثوم شخصيةً رمزية له.. كيف تنظرون إلى هذا الاختيار؟
اختيار السيدة أم كلثوم كشخصية المهرجان في دورته الجديدة يحمل رمزية كبيرة ومعانٍ متعددة، هي ليست فقط قامة فنية استثنائية في تاريخ الغناء العربي، بل تمثل أيضًا الضمير الثقافي والوجدان الجمعي للأمة العربية، وأم كلثوم كانت مدرسة في الفن والالتزام، جمعت بين الأصالة والحداثة، واستطاعت أن تجعل من الأغنية العربية جسراً بين الشرق والغرب”.
نحن في دار الأوبرا المصرية نعتبرها رمز الهوية الموسيقية المصرية والعربية، واختيارها هذا العام هو احتفاء بقيمة خالدة ما زالت تلهم الأجيال، وخلال المهرجان سيتم تقديم عدد من الفعاليات المخصصة لتكريمها، منها عروض موسيقية لأشهر أغانيها، وندوات تتناول تجربتها الفنية ومدرستها في الأداء”.
وأردنا من خلال هذا التكريم أن نُعيد الأذهان إلى تلك المرحلة الذهبية من تاريخ الفن العربي، وأن نذكّر الأجيال الجديدة بأن الفن الحقيقي لا يموت، بل يعيش في وجدان الشعوب مهما تغيّرت الأزمنة”.
كيف تنظرون إلى التوازن بين الأصالة والتجديد في الدورات الأخيرة؟
إن التوازن بين الأصالة والتجديد هو التحدي الأكبر في الموسيقى العربية، نحن نحاول أن نحافظ على القوالب الغنائية والموسيقية الأصيلة، مثل الموشحات والقصائد والطقطوقة، وفي الوقت نفسه نفتح المجال للتجارب الجديدة التي تستخدم التقنيات الحديثة أو الأشكال الموسيقية المختلفة”، وهدفنا ألا نفقد روح الموسيقى العربية، وألا ننغلق في الماضي أيضًا، ولهذا فإن لجنة المهرجان تختار بعناية البرامج الغنائية التي تحقق رسالة دار الأوبرا، وتلفت في الوقت نفسه انتباه الشباب الذين يبحثون عن صوت معاصر”.
تشهد المهرجانات العربية مؤخرًا منافسة قوية، ما الذي يجعل مهرجان الموسيقى العربية مختلفًا؟
إن الاختلاف الأساسي أن مهرجان الموسيقى العربية لا يعتمد على البهرجة أو الاستعراض، بل على القيمة الفنية، إنه مهرجان مضمون، يقدّر الجمهور فيه الطرب الحقيقي والمستوى الثقافي الرفيع، “نحن لا نستضيف نجومًا لمجرد الأسماء، بل بناءً على معايير فنية دقيقة. كما أن المهرجان يتميز بمؤتمره العلمي مما يجعله مهرجانًا للعلم والفن معًا”.
وإلى جانب ذلك، فإن تنظيم دار الأوبرا المصرية يضمن للمهرجان طابعًا مؤسسيًا واستمرارية حقيقية لا تخضع لتقلبات السوق أو الذوق العام”.
الدورة الجديدة من المهرجان تأتي في ظل تطورات تقنية وثقافية كبيرة.. كيف انعكس ذلك على فكر التنظيم؟
وبالفعل، نحن نعيش عصر التحول الرقمي، وهو يفرض علينا أن نطوّر أساليب العرض والتوثيق، ففي هذه الدورة بدأنا في توسيع نطاق التغطية الرقمية عبر منصات التواصل الاجتماعي، ونعمل على أرشفة العروض والمداخلات العلمية إلكترونيًا لتكون متاحة للباحثين والجمهور”.
إن الأوبرا تسعى إلى جذب جمهور الشباب عبر تقنيات حديثة في التصوير والبث، دون المساس بالجوهر الفني للمهرجان، الفكرة أن نتعامل مع التكنولوجيا كوسيلة لخدمة الثقافة، لا كبديل عنها".
ما الدور الذي تلعبه دار الأوبرا في دعم الأجيال الشابة من المطربين والموسيقيين من خلال المهرجان؟
أن هذا محور أساسي بالنسبة لنا، فالمهرجان لا يقوم فقط على النجوم، بل هو مدرسة مفتوحة للمواهب الشابة، ولدينا مسابقات للمواهب من الأطفال والشباب، ومسابقة أخرى للتخت العربي، بالإضافة إلى الفرصة التي نمنحها للأصوات الجديدة للغناء على مسارح الأوبرا ضمن ليالي المهرجان، ونحن نؤمن أن بناء جيل جديد من الفنانين هو الضمان الحقيقي لاستمرار الموسيقى العربية، ولذلك نحاول أن نربط بين الخبرة الكلاسيكية وروح الشباب في كل دورة”.
ما أبرز ملامح المشاركة العربية في هذه الدورة؟
إن الأوبرا تحرص دائمًا على أن تكون المشاركة العربية متنوعة وشاملة، في هذه الدورة نستضيف فنانين وباحثين من عدد من الدول العربية، والأجنبية المهتمين بالموسيقى العربية، إلى جانب الأصوات المصرية.
الرسالة هنا واضحة: المهرجان بيت لكل العرب، والموسيقى لغة توحّدنا أكثر مما تفرّقنا، موضحًا من خلال هذه المشاركة نؤكد أن الثقافة العربية كيان واحد، وأن دار الأوبرا المصرية هي منبر دائم للحوار الموسيقي بين الشعوب.
المؤتمر العلمي المصاحب للمهرجان يشكل دائمًا إضافة فكرية مهمة.. ما الجديد فيه هذا العام؟
إن المؤتمر العلمي جزء لا يتجزأ من هوية المهرجان، ويأتي تحت عنوان «الموسيقى العربية في ظل التحول الرقمي... آفاق وتحديات»، وينقسم إلى ٤ محاور، وهم مستقبل الموسيقى العربية في عصر الذكاء الاصطناعي، الرؤى التوثيقية منذ مؤتمر ١٩٣٢ بالقاهرة وتطورها في ظل الثورة الرقمية، تحديات إنتاج الموسيقى العربية (تأليف وتلحين وتوزيع، وأداء) في ظل التحول الرقمي، آفاق التعليم الموسيقى في ظل التطور التكنولوجي، مضيفًا نحاول من خلال المؤتمر أن نربط بين النظرية والتطبيق، وأن نفتح نقاشًا حقيقيًا حول كيفية تطوير صناعة الموسيقى دون فقدان خصوصيتنا الثقافية".
والاوبرا تمنح مساحة مهمة للباحثين الشباب للمشاركة، لأن البحث العلمي في الموسيقى هو الذي يصنع المستقبل الواعي للفن".
كيف ترى تفاعل الجمهور مع المهرجان، خاصة الأجيال الجديدة؟
إن ردود الفعل التي نتابعها كل عام مشجعة للغاية، وهناك جيل جديد بدأ يقدّر قيمة الموسيقى العربية الكلاسيكية، ويبحث عن الجودة بعد أن أنهكه الاستهلاك السريع للأغاني التجارية، فالجمهور المصري ذكي بطبعه، يعرف الفرق بين الفن الحقيقي والمؤقت”.
إلى أي مدى تسهم الأوبرا في جعل المهرجان جزءًا من الحراك الثقافي الأوسع في مصر؟
إن دار الأوبرا ليست مؤسسة تقدم حفلات فقط، بل هي مركز إشعاع ثقافي، من خلال المهرجان نربط بين الفنون: الموسيقى، المسرح، الغناء، البحث العلمي، والإعلام الثقافي، ويتم التعاون كذلك مع قطاعات وزارة الثقافة الأخرى- لنصل برسالة الفن إلى أكبر عدد من الجمهور في المحافظات، قائلًا “نحن نؤمن أن الثقافة لا تزدهر إلا بالتكامل بين مؤسساتها، والمهرجان نموذج عملي لهذا التكامل”.
كيف تنظرون إلى مستقبل المهرجان خلال السنوات القادمة؟
لدينا رؤية طموحة لتطوير المهرجان على مستوى المحتوى والتنظيم، وتوسيع التعاون مع المؤسسات العربية والدولية، وإطلاق منصات رقمية لتوثيق تراث المهرجان، ونطمح في إنشاء أرشيف موسيقي عربي يوثق الأعمال التي قُدمت خلال تاريخه الطويل، لتكون مرجعًا للأجيال القادمة، لأن الهدف أن نُبقي المهرجان في صدارة المشهد الثقافي العربي، وأن يظل نموذجًا للاحتراف والإبداع”.
كيف جرى الإعداد للدورة الجديدة من مهرجان الموسيقى العربية؟
تم الإعداد للمهرجان بروح الفريق الواحد، حيث تعاونت جميع إدارات دار الأوبرا المصرية، سواء الفنية أو الإدارية أو الهندسية، من أجل خروج هذه الدورة في أبهى صورة تليق باسم مصر ومكانتها الثقافية والفنية، مؤكدا أن القرار يتخذ بشكل جماعي، وليس فرديًا.
ومن هنا أتوجه بخالص الشكر والتقدير إلى معالي وزير الثقافة الدكتور أحمد فؤاد هنو على دعمه الكبير للأوبرا ولجميع فعالياتها، وكذلك لكل القائمين على المهرجان بداية من مدير المهرجان، ونائبه، وأعضاء اللجنة العلمية واللجنة التحضيرية..
كما أتوجه بالشكر إلى الفِرق التنظيمية والفنية وحتى الإدارات المتعاونة، الذين عملوا جميعًا بإخلاص وجهد متواصل لضمان نجاح هذا الحدث العربي الكبير.
أخيرًا، ما الرسالة التي توجهها من خلال هذه الدورة لجمهور الموسيقى العربية؟
رسالتي أن الفن هو مساحة الأمل والجمال التي تحضنا جميعًا، فمهرجان الموسيقى العربية ليس مجرد احتفالية، بل هو تجسيد لهويتنا وذاكرتنا العربية.
وأدعو الجمهور إلى أن يشاركنا هذا الحدث بروح المحبة والانفتاح، وأن يدعم الفنانين الشباب الذين يحملون شعلة المستقبل.
طالما أن فينا من يؤمن بالموسيقى العربية، ستبقى هذه الفنون حيّة ومتجددة مهما تغيّرت الأزمنة.