بين فيضان السودان وسلامة مصر.. كيف تصدى السد العالي للفوضى المائية الإثيوبية؟
في ظل التفرد الإثيوبي في قرارات بناء وتشغيل سد النهضة، واتخاذ خطوات أحادية في مراحل الملء والتشغيل دون تنسيق مع دولتي المصب، ظهرت أولى تداعيات هذه السياسات في الفيضانات التي اجتاحت السودان، والتي تكبّدت خسائر كبيرة نتيجة سوء الإدارة والتخطيط من الجانب الإثيوبي. أما في المقابل، فقد نجت مصر من أي أضرار رغم تأثر المنطقة بالكامل، بفضل السد العالي الذي شكّل درع الأمان المائي وحائط الصد الأول أمام أي اضطرابات في منسوب النيل أو تدفق المياه.
السد العالي والكوارث الطبيعية
ليست المرة الأولي التي يحمي فيها السد العالي مصر من خطر الفيضانات، فقد جنب السد العالي مصر كوارث الجفاف والمجاعات بين عامي 1979 و1987، حيث تم سحب نحو 70 مليار متر مكعب من المخزون لتعويض نقص مياه النيل. كما حمى البلاد من فيضانات الفترة بين 1998 و2002 مما وفر على الدولة خسائر اقتصادية جسيمة.
مواجهة التعنت الإثيوبي
تجلت أهمية السد العالي الاستراتيجية بشكل واضح خلال فترة الملء الأحادي لسد النهضة الإثيوبي، حيث عمل كـ "خزان تعويض" ضخم، من خلال:
التعويض عن عجز المياه
تأمين الاحتياج المائي: خلال فترات الملء التي قامت بها إثيوبيا، حجبت كميات كبيرة من مياه النيل الأزرق كانت ستصل إلى مصر والسودان.
استخدام المخزون الاستراتيجي: اعتمدت مصر على المخزون المائي الضخم في بحيرة ناصر خلف السد العالي لتعويض هذا النقص. هذا المخزون كان هو صمام الأمان الذي أمن احتياجات مصر من مياه الشرب والري والصناعة، وضمن استمرار الحياة الطبيعية للمواطنين دون الشعور بالضرر المباشر لعمليات الملء الإثيوبية.
إدارة الفيضانات غير المنضبطة
التعامل مع التصريف المفاجئ: في بعض الأحيان، قامت إثيوبيا بتصريف كميات مياه كبيرة غير منضبطة من سد النهضة، خاصة بعد موسم الأمطار الغزيرة في الهضبة الإثيوبية.
امتصاص الموجات الفيضانية: لعب السد العالي دوره التاريخي في احتواء وامتصاص هذه التدفقات المائية الاستثنائية التي كانت قد تسبب فيضانات وأضراراً جسيمة في السودان.
إدارة الفائض: قامت مصر بفتح مفيض توشكى لتصريف المياه الزائدة من بحيرة ناصر وتحويلها إلى المنخفضات الطبيعية في منطقة توشكى، مما أتاح إدارة الفائض وحماية الأراضي المصرية من الغرق، وفي نفس الوقت استخدام هذه المياه في مشروعات استصلاح زراعي جديدة.
خلال هذا التقرير نستعرض كل ما يخص السد العالي
السد العالي
يُعد السد أول مشروع ضخم لتخزين مياه النيل على مستوى دول الحوض، شارك في إنشائه نحو 34 ألف عامل، واستغرق بناؤه عشر سنوات كاملة (1960–1970)، بتكلفة قاربت مليار دولار.
ويُعد ثاني أهم مشروع قومي بعد قناة السويس، وقد صنفته الهيئة الدولية للسدود ضمن أبرز الإنجازات الهندسية في القرن العشرين.
لم تقتصر فوائده على الزراعة والثروة الحيوانية فحسب، بل امتدت لتشمل الاقتصاد المصري ككل، وأسهم في تعزيز مكانة مصر الإقليمية والسياسية في المنطقة.
الموقع والمواصفات الهندسية
ـ يقع على نهر النيل في محافظة أسوان جنوبي مصر، بالقرب من الحدود مع السودان.
ـ الطول عند القمة: 3830 مترًا
ـ الطول عند القاعدة: 520 مترًا
ـ الارتفاع: 111 مترًا فوق قاع النهر
ـ العرض عند القمة: 40 مترًا
ـ كما يتخذ السد شكل جناحين يمتدان على ضفتي النهر.
الجذور التاريخية للبناء
ـ بدأت فكرة بناء سد على النيل مع إنشاء سد أسوان السفلي (المنخفض) عام 1889، واكتمل عام 1902 بارتفاع 54 مترًا، ثم جرى تعليته في مرحلتين لاحقتين (1907–1912) و(1929–1933).
ـ بحلول عام 1946: اقترب السد القديم من الفيض، ما دفع الحكومة إلى التفكير في بناء سد جديد أكثر أمانًا وكفاءة.
ـ في عام 1952: قدم المهندس المصري اليوناني أدريان دانينوس مشروعًا متكاملًا لبناء السد العالي لتخزين فيضان النيل وتوليد الكهرباء.
ـ في 1954: قدمت شركتان ألمانيتان التصميمات النهائية، وأقرت لجنة دولية في ديسمبر من العام نفسه جدوى المشروع.
التمويل وبداية التنفيذ
رفضت مصر الشروط السياسية التي ربطت بها الولايات المتحدة والبنك الدولي تمويل المشروع، لتتجه في نهاية الأمر إلى الاتحاد السوفياتي، الذي وافق على تمويل وبناء السد.
وفي 9 يناير 1960 بدأ العمل رسميًا في المشروع، ليصبح أحد رموز التعاون المصري–السوفياتي في تلك الحقبة
مراحل البناء
المرحلة الأولى (1960–1964)
شملت حفر قناة التحويل وأنفاق المياه وتبطينها بالخرسانة المسلحة، وبناء الأساسات ومحطة الكهرباء.
المرحلة الثانية (1964–1970)
في مايو 1964 تم تحويل مجرى النهر وبدء تخزين المياه بالبحيرة.
واستمر البناء حتى يوليو 1970، وبدأ تشغيل محطة الكهرباء في أكتوبر 1967، فيما تم افتتاح السد رسميًا عام 1971.
بحيرة ناصر
أنشأ السد العالي خلفه بحيرة صناعية ضخمة بطول 500 كيلومتر ومتوسط عرض 12 كيلومترًا، تمتد داخل الأراضي المصرية والسودانية، وتُعرف باسم بحيرة ناصر.
تبلغ حصة السودان منها 18.5 مليار متر مكعب سنويًا وفق اتفاق 1959.
أهمية السد العالي لمصر
التحكم في تدفق النيل:
مكّن مصر من التحكم الكامل في تدفق مياه النيل على مدار العام، مما أنهى الاعتماد على الفيضان الموسمي.
تأمين المياه وقت الجفاف:
يوفر مخزوناً استراتيجياً ضخماً من المياه في بحيرة ناصر يكفي لسنوات الجفاف المتتالية.
توليد الكهرباء:
يُساهم السد في توليد الطاقة الكهرومائية التي كانت الركيزة الأساسية لتنمية مصر الصناعية في عقود سابقة.
توسيع الرقعة الزراعية:
ساعد في التحول من نظام الري الموسمي (الحوضي) إلى الري الدائم، مما سمح بزيادة الرقعة الزراعية وزراعة محاصيل أكثر من مرة في العام.