رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

هل تخسر محلات الذهب من الإقبال على البيع في ظل الارتفاع القياسي للأسعار؟

محلات الذهب  صورة
محلات الذهب صورة ارشيفية

يشهد سوق الذهب في مصر حالياً واحدة من أكثر الفترات سخونة في تاريخه، بعد أن قفزت الأسعار إلى مستويات قياسية غير مسبوقة، مدفوعة بارتفاع المعدن النفيس عالمياً واقتراب الأوقية من حاجز 4220 دولاراً. هذا الارتفاع الكبير أحدث تحولاً واضحاً في حركة البيع والشراء داخل محلات الصاغة؛ فبينما توقّع البعض زيادة الإقبال على الشراء خوفاً من مزيد من التصاعد، كانت المفاجأة في تزايد أعداد المواطنين الذين يتجهون إلى البيع لجني الأرباح.

ورغم حالة النشاط الملحوظة داخل المحلات، يتردد تساؤل جوهري على ألسنة كثيرين: هل تخسر محلات الذهب عندما تشتري كميات كبيرة من المواطنين في ظل الأسعار المرتفعة؟

في التحقيق التالي، تستعرض “إيجبتك”  الإجابة عن هذا السؤال من خلال آراء تجار وخبراء اقتصاد متخصصين.

 

محلات الذهب تتعامل بذكاء مع السوق وتعتبر البيع فرصة

 

يؤكد محمود عماد، صاحب أحد محلات الذهب بميدان الجامع في مصر الجديدة، أن السوق يعيش حالياً حالة استثنائية، مشيراً إلى أن "الإقبال على البيع هو الأعلى منذ أكثر من عامين". ويلفت عماد إلى أن معظم الزبائن الذين يتوجهون إلى المحلات هذه الأيام يسعون لبيع ما لديهم من جنيهات ذهب وسبائك، للاستفادة من القفزة التاريخية في الأسعار.

ويضيف عماد أن "هذا السيناريو يتكرر دائماً في فترات الذروة، فعندما يشعر الناس أن الأسعار بلغت القمة، يقررون البيع خشية الهبوط أو التصحيح". ويوضح أن محلات الذهب لا تعتبر ذلك خسارة، بل هي "فرصة لإعادة تدوير السيولة والاحتفاظ بالمعدن الذي لا يفقد قيمته على المدى الطويل".

ويشرح قائلاً: "الذهب سلعة عالمية لا تتأثر بالعوامل المحلية وحدها، بل تتبع تحركات البورصات الدولية وأسعار الدولار والفائدة الأمريكية. لذلك، حتى لو اشترينا من المواطنين بأسعار مرتفعة، فإن أي انخفاض لاحق لن يشكل خسارة كبيرة، لأن السعر سيعاود الصعود عاجلاً أم آجلاً".

ويشير إلى أن المحلات تتخذ بعض الاحتياطات عند الشراء، فـ"ليس كل محل قادراً على استيعاب كميات كبيرة من الذهب من المواطنين في وقت قصير، لأن هذا يتطلب سيولة مالية ضخمة". ولهذا، قد ترفض بعض المحلات الشراء مؤقتاً أو تضع شروطاً معينة، مثل أن تكون المشغولات قد تم شراؤها من المكان نفسه سابقاً، كما تفعل بعض الشركات الكبرى مثل BTC التي تشترط تطابق الفاتورة الأصلية لضمان سلامة مصدر الذهب وجودته.

ويؤكد عماد أن العلاقة بين المواطن والتاجر في سوق الذهب ليست علاقة صراع كما يعتقد البعض، بل هي علاقة تبادل مصالح؛ فالمواطن يسعى لتحقيق ربح من مدخراته، بينما التاجر يوازن بين الشراء والبيع للحفاظ على رأس ماله.

ويوضح محمود عماد أن محلات الذهب لا تخسر من شراء الذهب المرتفع، لأن "كل قطعة يتم شراؤها اليوم يمكن بيعها غداً أو بعد أسبوع بسعر أعلى"، مشيراً إلى أن بعض المحلات تستفيد من إعادة صهر الذهب وإعادة بيعه كمشغولات جديدة، مما يعوض أي فرق في الأسعار.

 

البيع عند القمم يمنح فرصة للدخول مجدداً

 

من جهته، يرى محمد صلاح، رئيس التشغيل في شركة "سبائك"، أن من اشترى الذهب في السنوات الماضية حقق بالفعل مكاسب جيدة، خصوصاً من دخل السوق قبل عامين عندما كانت الأسعار أقل من النصف تقريباً.

ويقول صلاح: "الذين يمتلكون الآن سبائك أو جنيهات ذهبية لديهم فرصة لجني الأرباح عند هذه المستويات المرتفعة، ثم إعادة الشراء لاحقاً إذا شهد السوق تصحيحاً سعرياً أو هدوءاً مؤقتاً".

<strong>حمد صلاح، رئيس التشغيل في احدى شركات السبائك </strong>
حمد صلاح، رئيس التشغيل في احدى شركات السبائك 

ويشير إلى أن "الذهب ليس في مرحلة استقرار بعد، فالتقلبات لا تزال قائمة، وقد نرى مستويات جديدة قرب 3750 دولاراً للأونصة خلال الربع الأخير من العام إذا استمرت الأزمات العالمية والتوترات في الشرق الأوسط".

لكنه يحذر في الوقت نفسه من ضخ كامل السيولة في السوق الآن، موضحاً أن المستثمر الذكي هو من يحتفظ بجزء من أمواله للفرص القادمة، لأن السوق قد يهبط مؤقتاً، مما يسمح بإعادة الدخول بأسعار أقل.

ويضيف أن "المستثمرين الجدد يمكنهم الشراء بحذر وبكميات صغيرة لتوزيع المخاطر، بينما من يمتلك ذهباً فعلياً يمكنه الاحتفاظ بجزء والبيع بجزء آخر، لضمان تحقيق توازن بين المكسب والسيولة".

 

الذهب استثمار طويل الأجل وليس مغامرة قصيرة

 

أما الخبير الاقتصادي  الدكتور أحمد معطي فيرى أن قرار شراء أو بيع الذهب يختلف من شخص لآخر، فهو ليس قراراً مطلقاً، بل يعتمد على عمر المستثمر، ومدى قدرته على تحمّل تقلبات الأسعار، وطبيعة أهدافه المالية.

ويقول معطي: "الذهب أصل آمن، لكنه ليس وسيلة للثراء السريع، ومن يشتريه بهدف المضاربة السريعة قد يتعرض للخسارة، خصوصاً إذا دخل السوق في ذروة الأسعار".

<strong>لخبير الاقتصادي  الدكتور أحمد معطي</strong>
لخبير الاقتصادي  الدكتور أحمد معطي

ويضيف أن كبار السن أو أصحاب المدخرات الصغيرة يُفضل أن ينظروا إلى الذهب كوسيلة ادخار طويلة الأجل تحفظ القوة الشرائية لأموالهم، بينما المستثمرون المحترفون يدركون أن أي انخفاض مؤقت في الأسعار لا يعني الخسارة، بل هو فرصة جديدة للشراء.

ويشدد معطي على ضرورة تنويع المحافظ الاستثمارية وعدم الاعتماد الكامل على الذهب، قائلاً: "يجب توزيع المدخرات بين الذهب والعقارات والأدوات البنكية مثل الودائع أو الشهادات ذات العائد الثابت، لأن الاعتماد على نوع واحد من الاستثمار يزيد من المخاطر".

كما لفت إلى أن الاتجاه العام للذهب ما زال صعودياً على المدى الطويل، مدفوعاً بالأزمات الاقتصادية العالمية، والتضخم، وتباطؤ النمو في بعض الاقتصادات الكبرى، مما يجعل الذهب يحتفظ بجاذبيته كملاذ آمن. لكنه في الوقت نفسه أكد أن التقلبات قصيرة المدى ستظل قائمة، وأن من يدخل السوق عليه أن يكون مستعداً للصبر وعدم البيع في أوقات الهبوط المؤقت.

 

"المصنعية" تضمن للتاجر تحقيق الربح الدائم

 

ويوضح د. كريم العمدة، الخبير الاقتصادي، أن محلات الذهب لا تخسر أبداً، حتى في فترات التراجع أو الركود، مشيراً إلى أن نشاطها يشبه حركة "المنشار" التي تصعد وتهبط دون خسارة.

كريم العمدة 
كريم العمدة 

ويُبين العمدة أن السبب الرئيسي في ذلك هو نظام المصنعية الذي يضمن للتاجر تحقيق هامش ربح في كل عملية بيع أو شراء، قائلاً: "عندما يشتري المواطن الذهب، يدفع مصنعية تتراوح بين 100 و200 جنيه للجرام، وعندما يبيعه مرة أخرى، يقوم التاجر بخصم هذه المصنعية، وبالتالي يحقق مكسباً في كل الاتجاهات."

وأضاف أن الخسارة لا تحدث إلا في حالات نادرة جداً، مثل احتفاظ التاجر بكميات كبيرة من الذهب اشتراها بأسعار مرتفعة ثم تراجعت الأسعار فجأة، وهو أمر غير شائع لأن محلات الذهب تعتمد على تدوير مستمر للمعدن، فتشتري عند انخفاض الأسعار وتبيع عند الصعود، ما يجعلها تحقق أرباحاً دائمة تقريباً في كل دورات السوق.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء