الأزاهرة ودورهم في تطوير الموسيقى في مصر
لا يوجد استعمار أفضل من استعمار، فكل الاستعمار سيء، إلا أن حقبة الاستعمار التركي لمصر الشهير بالاحتلال العثماني يعد هو الأسوأ على الإطلاق، بالإضافة إلى الاحتلال الاقتصادي وعصر موارد الدولة لصالح تركيا، تم أيضا الاستيلاء على المكون الفني والثقافي لمصر، وتفريغها من المحتوى الثقافي.
على قافلة مكونة من ألف جمل تم نقل الكنوز الفنية المصرية وشيوخ الطوائف والصناع لتركيا حتى أنه تم انقراض خمسون مهنة فنية دفعة واحدة وفقا لـ"جمال قطب – ملهمات المشاهير".
تفريغ مصر من المحتوى الفني
"ثم إن جماعة من وزراء ابن عثمان جلسوا في المدرسة الغورية، وشرعوا يطلبون أعيان الناس من القضاة والشهود والمباشرين والتجار وأعيان تجار المغاربة، وتجار الورّاقين، وتجار الشرب والباسطية، وجماعة من البرددارية والرسل، وطائفة من السوقة المتسببين في البضائع، وطائفة من البنائين والنجارين والمرخّمين والمبلّطين والحدادين وغير ذلك من المعلمين، حتى طلبوا جماعة من أعيان اليهود، فلما تكاملوا عرضوهم في المدرسة الغورية، وعّينوا منهم جماعة يسافرون إلي إسطنبول" بحسب محمد بن أحمد بن إياس الحنفي في بدائع الزهور في وقائع الدهور، جزء 5، ص 178-179"، ومن بينهم بالطبع كان عدد من الموسيقيين وأرباب الفن.
وكانت فنون الموسيقى والغناء من الفنون التي تأثرت بهذا الاستعمار التركي، ارتباط حياة المصريين بالموسيقى والغناء منذ فجر التاريخ، وحياة الإنسان المصري كانت مرتبطة بالموسيقى منذ فجر التاريخ، فلموسيقى في التاريخ المصري مرتبطة بالعمل والعبادة، وحتى الحزن، وإن لم تكن مباشرة فهي تتضح في إيقاع "العديد" وهو النواح على المتوفي وذكر محاسنة.
وكلما ازدهرت العلوم ازدهرت الموسيقى، فالموسيقى فن وعلم أيضا، ولعلوم الرياضيات والفيزياء دور كبير في تطويرها، وعلى الرغم من انهيار الدولة المصرية القديمة، وتلاحق اليونانيين والرومان على مصر، إلا أن الموسيقى ظلت مزدهرة بسبب ازدهار العلوم في تلك الحقب، حتى مع الدخول العربي لمصر، ظهر المديح النبوي والإنشاد الديني كشكل جديد من أشكال التطور الموسيقي في مصر، والمصاحب لدخول اللسان العربي لمصر.
انهيار الفن والعلوم في العصر العثماني وتأثيره على الغناء
وتوجد مقوله لـ "ابن خلدون"، وهي: "أول ما ينهار من الصنائع عند انهيار العمران هو الغناء".
تأخرت الموسيقى وتراجعت، وحل محلها الغناء التركي، وهو غناء مناسب للحالة الرعوية التي كانت عليها أصول المستعمر التركي، فكان غنائهم عبارة عن صراخ غجري(كمال النجمي- تراث الغناء العربي)، وأدى هذا النوع من الغناء وتكراره ليناسب ذائقة الحاكم الجديد، إلى فساد الحناجر، بالإضافة لعدم وجود موسيقيين أو مدربين، وأصبح الغناء مهنة من لا مهنة له، ويؤديه المهرجون والوضعاء.
وظل الوضع على هذا الشكل قرابة أربع قرون هي فترة الاحتلال التركي، ولم يتبق من السابق إلا قصائد المديح النبوي، والإنشاد، والغناء الكنسي والذي أصابه أيضا الجمود، كما روى علماء الحملة الفرنسية فيما بعد في موسوعة وصف مصر الجزء الثامن.
الانفتاح على العالم إبان الثورة الفرنسية
كما أسلفت الاحتلال كله سيء، إلا أن هناك بعض الاستثناءات منها، وكان هذا الاستثناء متمثلا في الحملة الفرنسية على مصر بقيادة نابليون بونابرت، والتي نبهت المصريين الذين عاشوا قرون في جهل، وعزلة عن العالم يتلاعب بهم كل من المماليك والعثمانيين لصالح أهدافهما الخاصة دون النظر للشعب.
وقاوم المصريين الاحتلال الفرنسي بضراوة حتى نجح في التخلص منها، ولكنها تركت الأثر الثقافي الأهم، هو معرفة أنهم في حاجة ماسة للانفتاح على العالم.
الأزهريون ودورهم في تطوير الموسيقى
كان الأزهر هو الأساس للتعليم في مصر منذ نشأته وحتى ظهور التعليم المدني في وقت متأخر، وحتى البعثات التي بعثها محمد علي للخارج، والقائمين على مساعدته في نهضته بمصر وقتها يجب أن يكونوا قد مروا على التعليم بالأزهر، و كان لبعض الأزاهرة دورا كبيرا في تطوير الموسيقى مما حل بها على يد العثمانلي، والسبب في هذا معرفتهم بقواعد الترتيل والتي تعتمد على المقامات الموسيقية، ومعرفتهم بأصول الإنشاد الديني والمديح النبوي مما أكسبهم ذائقة موسيقية، وقدرة على التطوير.
يحدث لقب شيخ خلطا عن العامة، فهو لقب غير قاصر على الأزاهرة، فالمنشدين، وقراء القرآن الكريم والمداحين، يأخذون هذا اللقب حتى لو لم يتعلموا في الأزهر الشريف، لذلك التركيز هنا على الأزاهرة المتعلمين في الأزهر.
سقينة الشهاب لمحمد شهاب الدين إسماعيل
على رأس هؤلاء المطورين للموسيقى في مصر يأتي محمد شهاب الدين إسماعيل صاحب كتاب (سفينة الشهاب) كما أطلق عليه معاصروه، أو كتاب (سفينة الملك ونفسية الفلك) وهذا الكتاب تم فيه جمع مئات الموشحات الموجودة في مصر وحافظ عليها من الاندثار وهو أول كتاب موسيقي في العصر الحديث. ولم يكن المغنون أو الملحنون يعرفون عنها شيئا وقتها، وهذا ما أعان معاصروه على الخروج مما كانت عليه الموسيقى وقتها من تكلف وزخارف، وغناء غجري.
المعلومات حول شهاب الدين قليلة، ومتكررة، وأهمها أنه علم نفسه الموسيقى بشكل ذاتي، وفي اعتقادي أن هذا له علاقة بتعلمه المقامات الموسيقية ككل المتعلمين في الأزهر لإجادة ترتيل القرآن الكريم، حتى لو تم بدون قصد. مدرسة التلاوة أخرجت لنا أعظم مطربين في مصر، وكما قالت أم كلثوم من علمها الغناء القرآن الكريم، ووالدها الشيخ إبراهيم البلتاجي، وأستاذها الشيخ أبو العلا محمد، وهنا يبرز دور اتقان أحكام القرآن الكريم وتلاوته في إجادة فنون الغناء والمقامات.
محمد شهاب الدين لم يكن فقط مهتم بالموسيقى والغناء، بل قام بنظم الشعر، وعمل (قباني) وزانا في الأسواق وتعلم في المحكمة الشرعية، وساعد الشيخ العطار في تحرير (مجلة الوقائع المصرية) وأشرف عليها من بعده بالإضافة لتصحيح ما يطبع في مطبعة بولاق.
عاصر محمد شهاب الدين كلا من محمد علي حتى الوالي محمد سعيد باشا، وكتب في مديح الأخير قصيدة، وكافئه بعمل غرفة خاصة له في كل قصر يمتلكه.
المسلوب شيخ الموسيقيين المصريين
الشيخ محمد عبد الرحيم أو الشيخ المسلوب، هو أيضا خريج الأزهر، وعمل منشدا في الموالد، وهو صاحب الأثر الأكبر والأهم في تاريخ الموسيقى والغناء في مصر، وأفاده عمره الطويل في التربع على عرش الغناء والتلحين- عاش 130 عاما- وبعد أن نضجت موهبته في الإنشاد اتجه للغناء والتلحين، ويعتبر موشح لما بدا يتثنى هو أكمل صورة في الغناء العربي والتلحين، ويتوافق أيضا مع قواعد الموسيقى الأوروبية .
بداية تطور الشعر الغنائي
لا غناء بدون كلمات، فكان هناك أيضا جماعة الشعراء من الآزاهرة والذين حرروا الشعر العربي مما لحق به من تكلف وزخارف وطابع عثمانلي، فكانت النهضة على يد محمود سامي البارودي وهو أيضا خريج الأزهر، حتى وإن اختلط في سلك العسكرية بعد ذلك وانضمامه للثورة العرابية.
ظلت جماعة الآزاهرة تحتل الساحة الغنائية في مصر، حتى حل محلها جماعة الأفندية أو المتعلمين تعليم (أميري) وبدأ التحرر من الزي الأزهري التقليدي الذي يتميز به رجال الأزهر.
لعب خريجوا الأزهر هذا الدور في شتى مجالات الحياة الفنية والثقافية وقتها، لأنهم كانوا أصحاب العلم والثقافة وقتها، بالإضافة للاتصال بأوروبا سواء عن طريق الحملة الفرنسية وما خلفته من صدمة للمصريين، أو البعثات التي أطلقها محمد علي نحو أوروبا.