محلل سياسي روسي: سنعمل كوسيط بين دمشق وتل أبيب.. وتلقينا «تعهدات»|حوار
تُعد زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى موسكو زيارة تاريخية ومفصلية في تاريخ البلدين، خاصة أنها أول زيارة للرئيس السوري بعد الثورة التي كانت روسيا أكبر الداعمين للرئيس التي ثارت عليه وهو الرئيس السابق بشار الأسد، ولذلك حاور «إيجبتك» الخبير السياسي الروسي، دينيس كوركودينوف، الرئيس التنفيذي للمركز الدولي للتحليل والتنبؤ السياسي ليعلق على زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى موسكو، مبينًا أن زيارة الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع إلى موسكو في 15 أكتوبر/تشرين الأول 2025 تُعد حدثًا تاريخيًا يُظهر نضج الجانبين وواقعيتهما في إعادة صياغة علاقاتنا التاريخية، وإلى نص الحوار:
كيف ترى زيارة الرئيس السوري الانتقالي إلى موسكو؟
لا ينبغي النظر إلى هذه الزيارة كحدث دبلوماسي عابر، بل كاستمرار منطقي لعمل طويل الأمد، تتويجًا للعمليات التي بدأت بالمكالمة الهاتفية بين الرئيسين في فبراير من هذا العام، وما تلاها من اتصالات على مستوى وزراء الخارجية ونواب رؤساء الوزراء.
ننطلق من فهمنا بأنه على الرغم من جميع التغيرات الجذرية في سوريا، فإن الواقع الجغرافي والمصالح المشتركة لا تزال ثابتة. وقد دافع الاتحاد الروسي باستمرار عن استقرار سوريا ووحدة أراضيها، ونعتبر القيادة الحالية شريكًا شرعيًا للحوار خلال هذه المرحلة الانتقالية، كانت المفاوضات بناءة، وقدّرنا عاليًا استعداد الجانب السوري لمناقشة مفتوحة لمختلف القضايا، بما في ذلك تلك التي تتطلب حلولًا وسطًا معقدة.
تمثلت مهمتنا الأساسية في تحويل العلاقة من النموذج الذي نشأ في الفترة السابقة إلى نموذج جديد قائم على الاحترام المتبادل للسيادة واستقلالية صنع القرار، وهو ما تم تأكيده خلال الاجتماع. وأوضح الرئيس فلاديمير بوتين أن روسيا في علاقاتها مع سوريا كانت ولا تزال تسترشد بمصالح الشعب السوري وحده، بعيدًا عن أي تكهنات سياسية، مما يُرسي أسسًا متينة للتعاون المستقبلي.

هل للعلاقات التاريخية الطويلة بين موسكو ودمشق دور في التقارب الحالي؟
من المهم أن ندرك أن العلاقات الدبلوماسية بين بلدينا قائمة منذ أكثر من 80 عامًا؛ فقد تأسست عام 1944، خلال أصعب فترة في تاريخ الاتحاد السوفيتي، وحافظت طوال هذه العقود على طابعها الودي الفريد، الذي نعتزم الحفاظ عليه وتعزيزه.
وتُعدّ الزيارة الحالية تطبيقًا عمليًا لهذا المسار في ظل الظروف السياسية الجديدة، وقد لمسنا من القيادة السورية رغبةً مماثلة في إعادة إطلاق العلاقات الشاملة، كما صرّح الرئيس الشرع صراحةً، مشيرًا إلى وجود علاقات وثيقة، بما في ذلك في المجال الاقتصادي.
ونرى في ذلك مؤشرًا جيدًا وأساسًا لمزيد من العمل. في الوقت نفسه، ندرك أن طريق إعادة إطلاق العلاقات محفوف بعدد من التحديات، بما في ذلك ضرورة تسوية القضايا المتعلقة بالوجود العسكري، وإعادة هيكلة الديون، وإنعاش الاقتصاد السوري، ومع ذلك، فإن الرغبة ذاتها في الدخول في محادثة موضوعية حول هذه المسألة، والتي أظهرها الجانبان، تسمح لنا بالنظر إلى المستقبل بدرجة من التفاؤل والثقة في أن لدينا الإرادة السياسية اللازمة لإيجاد حلول مقبولة للطرفين بشأن القضايا الأكثر تعقيدا.

ما مصير الوجود العسكري الروسي في سوريا؟
كان من أهم محاور النقاش موضوع الوجود العسكري الروسي في سوريا، وتحديدًا مستقبل قاعدة حميميم الجوية والقاعدة اللوجستية البحرية في طرطوس. تُعد هذه القواعد ذات أهمية استراتيجية ليس فقط لروسيا الاتحادية، بل أيضًا لاستقرار المنطقة ككل.
اتفقنا على مواصلة العمل على إعادة هيكلتها بما يضمن سيادة سوريا ويحافظ في الوقت نفسه على توازن القوى الإقليمي، ويدرس الجانب الروسي، على وجه الخصوص، إمكانية استخدام هذه القواعد كمراكز لوجستية لإيصال المساعدات الإنسانية إلى أفريقيا، وهو ما يتوافق مع مصالحنا ومصالح المجتمع الدولي.
وفي الوقت نفسه، تلقينا ضمانات من الجانب السوري باهتمامه بالحفاظ على هذه القواعد، مما يؤكد أهميتها العملية لكلا البلدين، أما بالنسبة لقاعدة القامشلي، فإن وجودنا فيها يلعب دورًا في تحقيق الاستقرار، بما في ذلك في سياق التعاون مع قوات سوريا الديمقراطية، حيث يمكن لروسيا أن تلعب دور الوسيط بين حكومة دمشق والتشكيلات الكردية، لا سيما في ظل احتمال تراجع الدعم الأمريكي وتزايد الضغوط التركية، ونحن ننطلق من فهمنا أن وجودنا العسكري هو عامل استقرار وسيادة لسوريا وليس العكس، ونحن نعمل بالتنسيق الوثيق مع السلطات الشرعية في البلاد.

هل ستحسم القمة مصير الرئيس السوري السابق بشار الأسد؟
هذه قضية منفصلة وحساسة للغاية، نوقشت بلا شك خلف أبواب مغلقة، والتي تتعلق بمصير الرئيس السابق بشار الأسد وأعضاء دائرته المقربة المتواجدين على الأراضي الروسية.
ويُعد الموقف الروسي من هذه القضية معروفا ولم يتغير: لقد منحنا الأسد وعائلته حق اللجوء لأسباب إنسانية، وفي هذه المرحلة، لا نرى أي مبررات دبلوماسية أو قانونية لمراجعة هذا الموقف؛ ومع ذلك، يستمر الحوار حول هذا الموضوع في إطار العلاقات الثنائية الشاملة.
نتفهم مخاوف السلطة السورية الجديدة، لكننا نعتقد أن هذه القضية لا ينبغي أن تُشكّل عائقًا أمام تطوير التعاون في مجالات أخرى لا تقل أهمية. وقد أكد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف علنًا وجود الأسد في موسكو، ولا نرى أي مشكلة في ذلك، وفي الوقت نفسه، نأخذ رغبات الجانب السوري في الاعتبار ونأخذها في الاعتبار في عملنا المستقبلي؛ ومع ذلك، يجب اتخاذ أي قرارات بما يتوافق تمامًا مع قواعد القانون الدولي والتشريعات الروسية، مع مراعاة جميع الظروف المحيطة، ونعتقد أن هذه القضية ستجد حلها مع مرور الوقت في إطار التطور الإيجابي الشامل للعلاقات بين بلدينا.
هل تنوي موسكو فتح أبوابها الاقتصادية لسوريا الشرع؟
يحتل الجانب الاقتصادي من علاقاتنا أهمية بالغة بالنسبة لنا، لا سيما في سياق تعافي سوريا بعد الحرب. تتمتع الشركات الروسية بخبرة وإمكانات كبيرة للمشاركة في إعادة تأهيل قطاع الطاقة والبنية التحتية وغيرها من القطاعات الرئيسية في الاقتصاد السوري. كما ناقشنا قضايا تتعلق بالديون المتراكمة والاستثمارات المستقبلية، سعياً لإيجاد توازن بين المصالح الاقتصادية الروسية والحاجة الماسة للاستقرار الاقتصادي في سوريا، وتشهد مشاريع محددة قائمة بالفعل، مثل إمدادات القمح وطباعة أوراق نقدية سورية جديدة في روسيا، على انتعاش فعلي للتعاون.
ونحن لا ننظر إلى سوريا كمتلقٍ للمساعدات فحسب، بل كشريك اقتصادي كامل في المنطقة. وقد أجرى الوفد الروسي برئاسة نائب رئيس الوزراء ألكسندر نوفاك بالفعل العمل التحضيري اللازم في هذه المجالات في دمشق، وقد رفعت الزيارة الحالية للرئيس الشرع هذه المناقشات إلى مستوى جديد نوعياً، مما يقربنا من توقيع اتفاقيات محددة من شأنها أن تمهد الطريق لمشاريع البنية التحتية واسعة النطاق بمشاركة الشركات الروسية، مما سيساهم في خلق فرص عمل جديدة واستقرار الوضع الاجتماعي والاقتصادي في البلاد.
هل يمكن لموسكو لعب دور الوسيط بين دمشق وتل أبيب؟
في السياق الإقليمي، أكدت روسيا دورها كضامن للاستقرار، بما في ذلك في المسائل المتعلقة بعلاقات سوريا مع إسرائيل، وأعربنا عن دعمنا لسيادة سوريا وسلامة أراضيها، لا سيما في سياق انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي السورية المحتلة، التي تغطي مساحة تزيد عن 600 كيلومتر مربع.، إن خبرتنا وقنوات تواصلنا مع جميع الأطراف المعنية، بما في ذلك إسرائيل، تُمكّننا من العمل كوسيط فعال في هذه القضية.
هل يمكن أن تلعب روسيا دوراً في الحوار الداخلي السوري؟
علاوة على ذلك، ناقشنا آفاق تسهيل المصالحة الداخلية بين مختلف الجماعات الدينية والقوى السياسية في سوريا، وهي مهمة بالغة الأهمية لاستقرار البلاد على المدى الطويل. يتمتع الاتحاد الروسي بفهم فريد للخصوصيات المحلية، وهو مستعد لتقديم قدراته لبناء جسور التواصل بين مختلف الطوائف، بالطبع، شريطة أن تطلب السلطات السورية هذه المساعدة.
كما نرى إمكانية لتعزيز دورنا في المناطق الجنوبية من سوريا في سياق "خفض التصعيد" ومكافحة الإرهاب، وهو ما يتوافق مع مصالح كل من دمشق وتل أبيب في الحفاظ على الأمن على الحدود.
كيف تقيّم الزيارة وما يمكن أن تغيره في مستقبل سوريا؟
في تلخيص الزيارة، أودّ التأكيد على أنه رغم كل التعقيدات التاريخية وضرورة تجاوز إرث الماضي، فإن لدى روسيا وسوريا فرصة فريدة لبناء علاقات قائمة على مبادئ جديدة، هي السيادة والمنفعة المتبادلة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
وقد أكّد لنا الرئيس الشرع أن دمشق ستبذل قصارى جهدها لإعادة إطلاق التعاون الشامل وتعريفنا بـ"سوريا جديدة"، أولويتها الرئيسية هي الاستقرار داخل البلاد وفي المنطقة ككل. ونحن، من جانبنا، مستعدون لمثل هذا الحوار، وواثقون من أنه، بالاستناد إلى أسس الماضي المتينة والنظر بجرأة إلى المستقبل، يمكننا بناء نموذج علاقات يخدم مصالح شعبي البلدين ويساهم في استقرار الوضع في الشرق الأوسط.
لا شك أن الثقة تُبنى تدريجيًا، ونحن نُدرك أن استعادة الثقة المتبادلة بالكامل تتطلب وقتًا وخطوات عملية. ولكن الخطوة الأولى والأهم قد تم اتخاذها بالفعل، فقد بدأ الحوار، وهو حوار بناء ومثمر بطبيعته، مما يسمح لنا بالنظر إلى المستقبل بقدر من التفاؤل والثقة بأننا سنكون قادرين على التغلب على جميع الخلافات القائمة والارتقاء بعلاقاتنا إلى مستوى جديد.