المعذبون تحت الأرض.. شهادات عن تعذيب الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال
في مكانٍ لا تدخله الشمس، حيث لا يُفرق الليل عن النهار، يقبع الأسرى الفلسطينيون خلف جدرانٍ باردة تُخفي صرخاتهم، وتُطفئ ضوء أعينهم ببطء.
هناك، في أعماق سجون الاحتلال، تحولت الزنزانة تحت الأرض إلى شاهدٍ صامت على وجعٍ طويل، وثقته صحيفة الجارديان البريطانية في تقريرٍ صادم، نقلت فيه روايات الأسرى المحررين عن التعذيب الجسدي والنفسي والإهمال الطبي الذي يفتك بالأجساد والأرواح.
فمنذ هجمات 7 أكتوبر، سمح قانون جديد في إسرائيل باحتجاز أي فلسطيني "يشتبه به" إلى أجلٍ غير مسمى، وبحسب ما كتبه الصحفيان وليام كريستو وسهام طنطيش، فإن نحو 2800 معتقل يعيشون اليوم هذه التجربة، بلا محاكمات، ولا حتى تهمة.
نسيم الراضي.. الرجل الذي خرج بعينٍ واحدة
وفي الاثنين الماضي، خرج نسيم الراضي (33 عامًا) من السجن بعينٍ واحدة، ووجهٍ أنهكته اللكمات، ويقول التقرير إن الحراس "ودعوه" بربط يديه وطرحه أرضًا وركله بقوة، فأصابته ركلة مباشرة في عينه.
وقضى نسيم أكثر من 22 شهرًا خلف القضبان، منها مئة يوم في زنزانة تحت الأرض، فقد خلالها أكثر من ثلث وزنه.
ولم تكن جدران السجن وحدها سجنه الحقيقي، فحين حاول الاتصال بزوجته بعد الإفراج، لم ترد واكتشف بعدها أن القصف الإسرائيلي أباد عائلته كلها، ولم ينجُ سوى طفل واحد:"كنت سعيدًا لأن يوم خروجي صادف عيد ميلاد طفلتي صبا الثالث، كنت أخطط أن أعطيها أجمل هدية، لكن صبا ذهبت مع عائلتي، وذهبت معها فرحتي."
التعذيب كروتين يومي
في روايته للصحيفة، قال الراضي إن الحراس الإسرائيليين لم يكونوا بحاجة إلى سببٍ للضرب، فكانوا يدخلون الزنازين فجأة، يقيدون السجناء من أيديهم وأرجلهم، ثم يبدؤون الضرب بلا رحمة.
ولم تكن تلك الحوادث استثناءً بل جزءًا من نظامٍ يومي عنوانه تعذيب الأسرى الفلسطينيين، الغاز المسيل للدموع، الرصاص المطاطي، الشتائم، الإهانات، كلها أدوات لإخماد أي بقايا إنسانية في قلوب المعتقلين.
"مسحوق الفلفل الحار" بدل العلاج
ولم يتوقف التعذيب عند الضرب، فبحسب التقرير، كان الحراس يعلقون الأسرى على الجدران، ويرشون وجوههم بالهواء والماء البارد، وأحيانًا بمسحوق الفلفل الحار،وأصيب الكثيرون بأمراض جلدية وفطرية، بينما لم يكن هناك أي شكل من أشكال الرعاية الطبية.
محمد الأسالية، طالب جامعي يبلغ 22 عامًا، قال إنه أُصيب بالجرب خلال فترة احتجازه، مضيفًا: "لم تكن هناك أدوية، كنا نحاول معالجة أنفسنا بمطهر الأرضية، لكنه زاد حالتنا سوءًا."
من الزنزانة إلى غزة.. جريمة تُعيد تعريف الغرب
وفي مقالٍ موازٍ، كتب أحد مؤلفي التقرير أن ما ترتكبه إسرائيل في غزة "بدعمٍ غربي" ليس جريمة ضد الفلسطينيين فقط، بل جريمة تُعيد صياغة الغرب أخلاقيًا وسياسيًا، وتكشف تواطؤ حضارته مع الإبادة.
وتساءل: "ماذا سيرتد على الغرب من حقول الموت في غزة؟"، مشيرًا إلى أن القطاع بات مختبرًا للعنف والإبادة، وفق تعبير الباحث الإسرائيلي شموئيل ليدرمان.

