رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

رفاعة الطهطاوي.. رجل التعليم والتنوير والترجمة الأول في مصر

رفاعة الطهطاوي
رفاعة الطهطاوي

الأجيال الحديثة أو ما يطلق عليه «gen z»، ربما لا يعرفون شيئا عن اسم رفاعة الطهطاوي، ولا يعرفون أنهم مدينون له لتعلم اللغات الأجنبية، والترجمة. فحينما قرر محمد علي النهوض بمصر علميا وثقافيا وعسكريا، لم يجد أمامه إلا رجال مؤسسة الأزهر، لأنه لم يكن هناك مكانا آخر يتلقى فيه المصريون العلم إلا الأزهر، ولا يختلف رفاعة الطهطاوي عن أبناء زمنه.


ولد رفاعة الطهطاوي سنة 1801 قبل تولي محمد على لحكم مصر بأربعة سنوات، في مدينة طهطا شمال محافظة سوهاج، ويمتد نسبة إلا السيدة فاطمة الزهراء.


هو من عائلة عريقة حفظ القرآن كأغلب مجايله من العائلات الكبيرة، وبعد وفاة والده شمله أخواله بالرعاية العلمية فحفظ على أيديهم متون أمهات الكتب والشعر، يلتحق بالأزهر في سن كبيرة نسبيا وهو في السادسة عشرة من عمره، ويدرس الحديث والفقه والنحو والصرف.


في تلك الفترة وبعد أن أنهى تعليمه الأزهري، كا محمد على قد قام ببناء جيشه الحديث ويلتحق به رفاعة الطهطاوي إماما سنة 1924.

 

نقطة التحول 


كان محمد علي متعجل في تخريج دفعات من المتعلمين والحاصلين على أرفع الدرجات العلمية، لذلك أطلق البعثات العلمية للخارج، وسافر رفاعة إلى باريس سنة 1926 إماما للبعثة المنطلقة من مصر وعددها أربعين طالبا منهم ثمانية عشرة فقط يتحدثون بالعربية، والباقي يتحدث التركية، على متن السفينة الحربية الفرنسيو لا ترويت.


الحظ ينادي من يستحقونه في كثير من الأحيان، فقد استغل رفاعة الطهطاوي فرصة وجوده في البعثة المصرية ليتعلم اللغة الفرنسية، ويتلقى العلم في فرنسا، لينجز إمتحان الترجمة، ويعود رفاعة إمام البعثة حاصلا على شهادة في الترجمة.


تخليص الإبريز في تلخيص باريز


كان الشاب رفاعة منبهرا بكل ما حوله منذ أن حطت قدمه الباخرة الحربية، ووصوله إلى فرنسا وإقامته هناك حتى عودته إلى مصر، ولم يترك شاردة أو واردة رآها إلا ودونها.


فجاء كتابه تخليص الإبريز في تلخيص باريز، مزيجا مدهشا من سيرة ذاتية وأدب رحلات، فقد كتبته عيون شاب مصري من إحدى قرى الصعيد، انفتح على العالم فجأة.


يبدو الآن أن أسلوب الكتابة صعبا ومعقدا، إلا أنه كان أسلوبا مناسبا للزمن الذي كتب فيه، ومناسبا للخلفية الثقافية اللغوية والدينية التي أتى منها.

 

مدرسة الترجمة أو الألسن

رفاعة الطهطاوي هو رائد الترجمة في العصر الحديث، فحينما عاد إلى مصر عمل مترجما في مدرسة الطب، ، وعمل على تطوير المناهج في العلوم الطبيعية، سنة 1935 افتتح رفاعة الطهطاوي مدرسة الترجمة، والتي ستطبح مدرسة الألسن ثم كلية الألسن فيما بعد، وعين مديرا لها مع عملها مدرسا فيها.

 

رجل متعدد المهام

كالعادة في تلك الفترة لم يكن هناك تخصصات دقيقة يقوم بها الأفراد، خاصة المسئولون في السلطة، فنجد رفاعة الطهطاوي يترجم المتون، ويهتم بجمع الآثار وحفظها، واستصدار قوانين تمنع التجارة فيها، ومنه تهريبها.


أيضا يقوم بالإشراف على التعليم والصحة، وينشيء مدرسة المحاسبة لدراسة الاقتصاد ومدرسة الإدارة لدراسة العلوم السياسية، وأنشأ أقساما متخصصة لترجمة الرياضيات والطبيعيات والعلوم الإنسانية.


وكانت من ضمن مفاخره استصدار قرار تدريس العلوم والمعارف باللغة العربية (وهي العلوم والمعارف التي تدرَّس اليوم في بلادنا باللغات الأجنبية) وإصدار جريدة الوقائع المصرية بالعربية بدلاً من التركية، هذا إلى جانب عشرين كتاباً من ترجمته، وعشرات غيرها أشرف على ترجمتها.

 

توفي محمد علي، وتولى مكانه عباس حلمي الأول، والذي اشتهر بقرارته الهوجاء وغير المسئولة، وكان من ضمن هذه القرارات غلق مدرسة الألسن ونفي رفاعة الطهطاوي إلى السودان.


وعلى الرغم من ذلك، لم يتوقف في نفيه عن العمل والترجمة وأخذ في ترجمة مسرحية تليماك ل فرانسوا فنلون، وجاهد للرجوع إلى الوطن وهو الأمرُ الذي تيسَّر بعد موت عباس باشا وولاية سعيد باشا، وكانت أربعة أعوام من النفي قد مرَّتْ.

عاد رفاعة بأنشط مما كان، فأنشأ مكاتب محو الأمية لنشر العلم بين الناس وعاود عمله في الترجمة (المعاصرة) ودفع مطبعة بولاق لنشر أمهات كتب التراث العربي (الأصالة).


قضى رفاعة فترةً حافلة أخرى من العمل الجامع بين الأصالة والمعاصرة حتى انتكس سعيد فأغلق المدارس وفصل رفاعة عن عمله.


يتولى الخديوي إسماعيل الحكم بعد وفاة سعيد، سنة 1280هـ 1863م فيعاود رفاعة العمل ويقضي العقد الأخير من عمره الحافل في نشاط مفعم بالأمل، فيشرف مرة أخرى وأخيرة على مكاتب التعليم، ويرأس إدارة الترجمة، ويصدر أول مجلة ثقافية في تاريخنا روضة المدارس، ويكتب في التاريخ (أَنْوارُ تَوْفِيقِ الجَلِيل فِي أَخْبَارِ مِصْرَ وتَوْثِيقِ بَنىِ إِسْمَاعِيل)، وفي التربية والتعليم والتنشئة (مَبَاهِجُ الأَلْبَابِ المِصْرِيَّةِ فِى مَنَاهِج الآدَابِ العَصْرِيَّةِ)، (المُرْشِدُ الأَمِينِ للبَنَاتِ والبنَينِ)، وفي السيرة النبوية (نِهَايَةُ الإِيجَازِ فِي تَارِيخِ سَاكِنِ الحِجَازِ) ومن مؤلفاته أيضاً (القول السديد في الاجتهاد والتجديد) و (تعريب القانون المدني الفرنساوي) و (مغامرات تليماك) و (قلائد المفاخر) و (المعادن النافعة) والكثير من المؤلفات الأخرى.

توفي رفاعة الطهطاوي وهو يمتاك 1600 فدان، بعضهم عطايا من الحاكم والبعض الآخر هو من اشتراه900 فدان.
توفي في الرابع عشر من أكتوبر سنة 1973.


يعتبر رفاعة الطهطاوي هو رجل التعليم الأول في مصر، ورجل الترجمة أيضا، غهو من عبد الطريق أمام الأجيال الآتيه بهده لتلقي التعليم بشكله الحديث، وهو من فتح أفاق للمصرين والراغبين في المعرفة بأن يتعرفوا على العلوم الحديثة والقديمة عن طريق حركة الترجمة التي قادها، وساهم فيها تلاميذه فيما بعد.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء