«الذهب والجنة» .. خالد الجندي يوضح البلاغة القرآنية في وصف النعيم|فيديو
أكد الشيخ خالد الجندي، عضو المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، أن اختيار القرآن الكريم للذهب في وصف نعيم الجنة لم يكن عشوائيًا، بل يحمل في طياته دلالات بلاغية عميقة تعكس عظمة التعبير الإلهي ودقته في مخاطبة النفس الإنسانية بما تفهمه وتعرفه، قائًلا إن الآية الكريمة: "يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ" تمثل نموذجًا مدهشًا للبيان القرآني الذي يجمع بين الجمال اللفظي والمعنى العميق.
الذهب في القرآن .. رمز الكرامة والعطاء
أوضح خالد الجندي، خلال حلقة خاصة بعنوان "حوار الأجيال" من برنامج "لعلهم يفقهون" المذاع على قناة DMC، أن اختيار الذهب دون غيره من المعادن الكريمة مثل الألماس أو الياقوت لم يكن مصادفة، بل جاء لحكمة إلهية دقيقة، موضحًا أن العرب في زمن نزول القرآن لم يكونوا يعرفون تلك الأحجار الثمينة أو يميزون قيمتها أما الذهب، فكان بالنسبة لهم ذروة الطموح ورمز الثراء والمكانة الرفيعة.
وأضاف عضو المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، أن القرآن الكريم يخاطب الناس بما يعرفون لا بما يجهلون، مشيرًا إلى أن اختيار الذهب في الوصف القرآني جاء تماشيًا مع ثقافة العرب وقتها، حيث كان بريقه وندرته يمثلان الكمال المادي والاعتزاز بالنفس، فقال: "الذهب منتهى أمل العربي ورمز لما يلفت النظر ويعبّر عن الكرامة والعطاء".
اللون الأخضر .. دلالة الحياة والطمأنينة
وفي سياق آخر، تناول خالد الجندي، المعنى البديع في قوله تعالى: "وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ"، مؤكدًا أن اللون الأخضر في النص القرآني ليس مجرد وصف جمالي، بل يحمل رسالة روحية عميقة. فاللون الأخضر يرمز إلى الحياة والنماء والسكينة، وهو لون الحدائق والظلال والجنة التي وعد الله بها عباده المؤمنين.
وأشار خالد الجندي، إلى أن اللون الأخضر من أكثر الألوان راحة للنظر، لما يبعثه من طمأنينة وسرور في النفس البشرية، مضيفًا: "كل من يتأمل الطبيعة يعلم أن الخضرة تبعث على الراحة النفسية، وكأن الله أراد أن يربط في أذهاننا بين نعيم الجنة وبين الأمان والطمأنينة التي يمنحها هذا اللون المريح".
السندس والإستبرق .. بين الجمال والستر
وتوقف خالد الجندي، عند المعنى اللغوي والبلاغي للفظي السندس والإستبرق، مبينًا أن السندس هو الحرير الرقيق الشفاف، أما الإستبرق فهو السميك المتكاثف منه، وكلاهما من أنواع الحرير التي كانت رمزًا للترف والنعمة في زمن العرب.
وقال خالد الجندي، إن الجمع بين الكلمتين في الآية الكريمة يعكس توازنًا بديعًا بين الرقة والجلال، والجمال والستر، موضحًا: "كأن الله جمع بين الجمال والستر، فالسندس يظهر الرقة والإشراق، والإستبرق يضفي الوقار والهيبة، لتكتمل صورة النعيم في الجنة بين الأناقة والعظمة".
الاتكاء في الجنة .. راحة بلا عناء
وفي ختام حديثه، أشار الشيخ خالد الجندي، إلى أن وصف أهل الجنة بأنهم "مُتَّكِئُونَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ" يحمل معنى عميقًا يتجاوز مجرد الجلوس أو الراحة الجسدية، فالقرآن لم يذكر أنهم جالسون أو نائمون أو واقفون في الجنة، لأن الاتكاء هو هيئة تدل على الراحة التامة ورفع الكلفة والاطمئنان الكامل.
وأضاف خالد الجندي: "الاتكاء لا يكون إلا لمن زال عنه الهم والتعب، وهو تعبير عن الراحة الأبدية التي لا يعكر صفوها شيء، فالمؤمن في الجنة يعيش في طمأنينة تامة، لا يحتاج إلى سعي أو تعب أو مجهود، لأن النعيم أصبح حالًا دائمًا لا يزول".

بلاغة خالدة ومعانٍ تتجدد
واختتم الشيخ خالد الجندي، حديثه مؤكدًا أن بلاغة القرآن لا تنقضي معانيها، فهي تتجدد بتجدد العقول والأزمان، وأن تدبر هذه الأوصاف القرآنية ليس مجرد فهم لغوي، بل هو تأمل في الكمال الإلهي الذي جمع بين الجمال والمعنى والعقيدة في نسق واحد لا مثيل له، قائلاً: "كل كلمة في القرآن مقصودة، وكل لون ومعنى له دلالته التي تفتح أبواب التأمل في عظمة الخالق وجلاله".