«بالضوضاء والضرب» أسرى فلسطينيين يكشفوا كواليس الخروج من سجون إسرائيل
نشرت صحيفة "الجارديان" البريطانية تقريرًا مطولًا كشفت فيه عن شهادات مروعة رواها أسرى فلسطينيين حول ما تعرضوا له من تعذيبٍ وإهمالٍ ومعاملةٍ قاسية داخل السجون الإسرائيلية، خصوصًا في سجن نفحة الواقع في صحراء النقب.
وأوضحت الصحيفة أن عددًا من الأسرى الذين تم الإفراج عنهم مؤخرًا تحدثوا عن ضربٍ مبرحٍ وتعذيبٍ متواصلٍ، وحرمانٍ من الرعاية الصحية، وإجبارهم على سماع موسيقى صاخبة على مدار يومين كاملين، ما تسبب لهم بأضرار جسدية ونفسية بالغة.
كما ذكر الأسرى أنهم تُركوا يعانون من أمراض فطرية وجلدية نتيجة الإهمال الطبي المتعمد وسوء النظافة في الزنازين.
أسرى فلسطينيين يكشفوا كواليس الخروج من سجن "نفحة" الإسرائيلي
سلط التقرير الضوء على قصة الأسير الفلسطيني نسيم الراضي، الذي وصفته الصحيفة بأنه موظف حكومي من مدينة بيت لاهيا شمال قطاع غزة.

وقالت "الجارديان" إن الراضي اعتُقل في التاسع من ديسمبر عام 2023 على يد جنود الاحتلال الإسرائيلي أثناء وجوده في إحدى المدارس التي تحولت إلى مركز إيواء للنازحين خلال الحرب على غزة.
وبعد اعتقاله، نُقل إلى عدة سجون إسرائيلية، وقضى أكثر من 22 شهرًا في الأسر، بينها 100 يوم في زنزانةٍ تحت الأرض، قبل أن يُفرج عنه ضمن صفقة تبادل شملت 1700 أسير فلسطيني عادوا إلى غزة.
ورغم هذه المعاناة الطويلة، لم تُوجه إلى الراضي أي تهمة رسمية، شأنه شأن كثير من الأسرى الفلسطينيين الذين اعتُقلوا خلال الحرب دون محاكمة.
وأشار التقرير إلى أن الراضي، مثل غيره من المعتقلين، تعرض لتعذيب جسدي ونفسي شديد، ولإهمال طبي متعمد وتجويع من قبل حراس السجون الإسرائيليين، في انتهاكٍ صارخٍ للقانون الدولي الإنساني.
هدية وداع لأسير فلسطيني
وفي شهادةٍ مؤثرة، قال الراضي إن الحراس الإسرائيليين قرروا منحه “هدية وداع” قبل إطلاق سراحه، حيث قيدوا يديه ووضعوه على الأرض وضربوه بلا رحمة، تمامًا كما استقبلوه يوم اعتقاله، في رسالة قاسية تعكس طبيعة المعاملة التي يتعرض لها الأسرى الفلسطينيون منذ لحظة اعتقالهم وحتى الإفراج عنهم.
وذكرت "الجارديان" أن قصة نسيم الراضي تمثل نموذجًا لسياسةٍ إسرائيليةٍ أوسع وصفَتها منظمة “بتسيلم” الإسرائيلية لحقوق الإنسان بأنها “سياسة محو الأسرى الفلسطينيين”، مشيرةً إلى أن السلطات الإسرائيلية تتعمد عزل المعتقلين الفلسطينيين وإخضاعهم لسلسلةٍ ممنهجةٍ من الانتهاكات والتعذيب بهدف كسر إرادتهم وإخفاء معاناتهم عن العالم.
وفي روايته لتفاصيل احتجازه داخل سجن نفحة، الذي كان آخر محطة له قبل الإفراج، قال الراضي إن الأوضاع هناك كانت لا تُحتمل، من تقييد الأيدي والأقدام طوال الوقت إلى التعرض لأشد أنواع التعذيب الجسدي والنفسي.
وأوضح أن الضرب المبرح لم يكن استثناءً بل جزءًا من “نظامٍ منظمٍ للتعذيب” يمارسه الحراس بشكلٍ يومي ضد الأسرى.
وأضاف أن الجنود الإسرائيليين كانوا يستخدمون الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي لترويع الأسرى، إلى جانب الإهانات اللفظية والإساءات المستمرة التي تهدف إلى إذلالهم وتحطيم معنوياتهم.
وتابع قائلًا إن للسجن نظامًا قمعيًا صارمًا، يبدأ من بوابة إلكترونية تُفتح عند دخول الجنود إلى القسم، يرافقهم كلاب بوليسية مدربة، قبل أن يصرخوا بالأسرى: "على بطنك!" ليبدأ بعدها الاعتداء الوحشي بالضرب والركل والصراخ دون تمييز أو سبب.

حالة الراضي ليست فردية.. شهادة أسرى فلسطينيين
وأشارت الصحيفة إلى أن ما يرويه الراضي ليس حالة فردية، بل جزء من شهاداتٍ متكررةٍ ومتطابقةٍ من عشرات الأسرى الفلسطينيين الذين أُفرج عنهم في الآونة الأخيرة، والذين أكدوا جميعًا أن ظروف الاحتجاز في السجون الإسرائيلية فاقت كل تصور، وأن ما تعرضوا له يرقى إلى مستوى جرائم التعذيب المنهجي والمعاملة اللاإنسانية.
وفي ختام التقرير، نقلت "الجارديان" عن نسيم الراضي قوله إنه رغم كل ما عاناه في الأسر، فإن المصيبة الكبرى كانت بانتظاره بعد خروجه، إذ حاول الاتصال بزوجته فور الإفراج عنه، ليكتشف أن الهاتف خارج الخدمة.
وبعد محاولات متكررة، علم أن زوجته وجميع أبنائه باستثناء واحدٍ قد استُشهدوا خلال فترة احتجازه في العدوان الإسرائيلي على غزة، ليجد نفسه محررًا من الأسر، لكنه فقد كل عائلته.
وختمت الصحيفة تقريرها بالإشارة إلى أن قصة الراضي، وما عاشه آلاف الأسرى الفلسطينيين، تكشف عن الوجه القاتم لسياسة إسرائيل في التعامل مع المعتقلين الفلسطينيين، حيث يُمارس بحقهم القمع والتعذيب والعزل والإذلال الممنهج، في ظل غياب المساءلة الدولية وصمت العالم عن هذه الانتهاكات التي تتواصل منذ عقود.

