رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

بعد تحذير «الصحة العالمية».. بكتيريا المضادات الحيوية خطر يهدد العالم

صورة ارشيفية
صورة ارشيفية

لم تكن "سلمى"، الطفلة ذات الأعوام السبعة، تعلم أن الحمى البسيطة التي أصابتها ذات مساء ستتحول إلى مأساة طويلة الأمد، حيث بدأت القصة حين أصيبت بعدوى في الحلق، فقررت والدتها أن تعالجها في المنزل ببعض المضادات الحيوية، التي تحتفظ بها من وصفة طبية سابقة. في البداية، بدت الأمور أفضل، لكن بعد أيام قليلة، ارتفعت درجة حرارة سلمى بشكل مفاجئ، ودخلت في دوامة من التحاليل والعلاجات التي لم تجدِ نفعًا. كانت العدوى البكتيرية التي أصابتها قد أصبحت مقاومة للمضادات الحيوية.

لم تكن حالة سلمى استثناءً. فالأطباء في مستشفيات مصر والعالم يواجهون يوميًا حالات مشابهة، مرضى لا يستجيبون لأي علاج متاح، لأن البكتيريا في أجسامهم طورت مقاومة ضد معظم أنواع المضادات الحيوية. إنها أزمة صامتة تتسع دوائرها بصمت، لكنها تحمل في طياتها خطرًا يفوق التوقعات.

منظمة الصحة العالمية حذرت من أن هذه الأزمة لم تعد مجرد قضية طبية، بل تهديد حقيقي للأمن الصحي العالمي، ففي كل دقيقة، يفقد شخص حياته بسبب عدوى لم تعد تستجيب لأي علاج، ما دفع المنظمة إلى دق ناقوس الخطر، مؤكدة أن الجائحة المقبلة قد تكون بكتيريا مقاومة للمضادات الحيوية.

مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية.. خطر صحي عالمي يقترب من الذروة

في تحذير جديد يسلط الضوء على أزمة صحية تتفاقم بسرعة، أعلنت منظمة الصحة العالمية أن إصابة واحدة من بين كل ست حالات عدوى بكتيرية مؤكدة مختبريًا أصبحت تقاوم العلاج بالمضادات الحيوية، وهو ما ينذر بمرحلة خطيرة تهدد مستقبل الطب الحديث وتضع البشرية أمام احتمال العودة إلى "العصور المظلمة" في مكافحة العدوى.

المنظمة الأممية أوضحت في تقرير، استند إلى بيانات من أكثر من مئة دولة خلال الفترة من 2016 إلى 2023، أن معدلات مقاومة المضادات الحيوية ارتفعت في حوالي 40% من العينات التي تم تحليلها، محذرة من أن "مقاومة مضادات الميكروبات تتسارع بوتيرة تفوق التقدم الطبي."

وقال الدكتور تيدروس أدهانوم جيبريسوس، المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، في بيان إن مقاومة مضادات الميكروبات تتسارع بوتيرة تفوق التقدم الحاصل في الطب الحديث، مما يهدد صحة الأسر في أنحاء العالم. علينا استخدام المضادات الحيوية بمسؤولية، وضمان حصول الجميع على الأدوية المناسبة والتشخيصات الدقيقة واللقاحات الفعالة.

أزمة عالمية متصاعدة

وفقًا للتقرير، تتسبب مقاومة المضادات الحيوية في أكثر من مليون وفاة سنويًا على مستوى العالم. ورغم أن التغيرات الجينية في مسببات الأمراض تُعد جزءًا من عملية طبيعية، فإن النشاط البشري – مثل الاستخدام المفرط أو الخاطئ للمضادات الحيوية في علاج البشر والحيوانات والنباتات – يسرّع من هذه العملية ويزيد من خطورتها.

وتظهر البيانات أن جنوب آسيا والشرق الأوسط من أكثر المناطق تأثرًا، إذ تُعد واحدة من كل ثلاث إصابات مسجلة مقاومة للمضادات الحيوية. أما في أفريقيا، فتشير المنظمة إلى أن نسبة مقاومة العلاج الأول الموصى به لبعض أنواع البكتيريا المسببة لعدوى مجرى الدم تجاوزت 70%، ما يرفع خطر الإصابة بتعفن الدم والفشل العضوي والوفاة.

تحذيرات من جائحة بكتيرية مقبلة

في مصر، تتعامل الجهات الصحية بجدية مع هذه الأزمة العالمية، خصوصًا بعد زيادة معدلات استخدام المضادات الحيوية بين المواطنين عقب جائحة كورونا، حيث لجأ كثيرون لاستخدام الأدوية دون وصفة طبية، الأمر الذي فاقم من مقاومة البكتيريا للعلاج.

وحذرت الدكتورة نعيمة القصير، ممثلة منظمة الصحة العالمية السابق في مصر، من أن الجائحة المقبلة قد تكون بكتيريا مقاومة للمضادات الحيوية، مشيرة إلى أنها أصبحت السبب الثالث للوفاة عالميًا، ومؤكدة أن الأطفال هم الفئة الأكثر تضررًا، إذ تتسبب هذه العدوى في وفاة طفل من بين كل خمسة أطفال حول العالم.

وأضافت القصيرالاستخدام الرشيد للمضادات الحيوية مسؤولية مشتركة بين الأفراد والأسر والعاملين الصحيين والإعلام والقطاع الخاص. فالتعامل غير المسؤول مع هذه الأدوية يهدد الأمن الصحي والاستقرار التنموي في المجتمعات، مشيرة إلى أن مصر ضمن سبع دول تتعاون مع منظمة الصحة العالمية على المستوى الدولي لتنفيذ الخطة القومية للتصدي لمقاومة المضادات الحيوية، مؤكدة أن الدولة تبذل جهودًا حثيثة لتطبيق سياسات علاجية تضمن سلامة المرضى وتحافظ على فاعلية الأدوية.

وأوضح الدكتور سيد مجدي، استشاري طب الأطفال، أن أحد أكبر التحديات التي يواجهها الأطباء يوميًا في العيادات هو إقناع الأمهات بخطورة الاستخدام العشوائي للمضادات الحيوية، مشيرًا إلى أن كثيرًا من الأمهات ما زلن يعتقدن أن المضاد الحيوي هو الحل السريع لكل مرض.

وقال الدكتور مجدي نواجه يوميًا مواقف صعبة؛ إذ تأتي الأم بطفلها المريض وتطلب مني مباشرة كتابة مضاد حيوي، وتقول لي بالحرف: 'ابني لا يتعافى إلا بالمضاد الحيوي.' أحاول دائمًا شرح خطورة هذا الاستخدام الخاطئ، وأن ليس كل مرض يحتاج إلى مضاد حيوي، لكن في بعض الأحيان لا تقتنع الأم رغم التوضيح، مما يضع الطبيب في موقف حرج، وقد يضطر بعض الأطباء لكتابة المضاد تجنبًا لإلحاحها أو خوفًا من لجوئها إلى صيدلية تصرف الدواء دون وصفة طبية.

وأضاف أن هذه الممارسات تسهم في انتشار البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية، وتضعف فعالية الأدوية تدريجيًا، لافتًا إلى أن التوعية المجتمعية هي السلاح الأهم في هذه المعركة، إلى جانب تشديد الرقابة على صرف الأدوية دون وصفة طبية.

بروتوكولات علاجية صارمة لمواجهة الأزمة

من جهته، أكد الدكتور شريف وديع، مستشار وزير الصحة والسكان للحالات الحرجة والعاجلة، أن الإفراط في تناول الأدوية، وخاصة المضادات الحيوية، يؤدي إلى إضعاف مناعة الجسم وظهور سلالات بكتيرية مقاومة للعلاج، متابعا أن الدولة بدأت في تطبيق بروتوكولات علاجية مصرية موحدة داخل المستشفيات الحكومية والجامعية والخاصة، تتضمن تحديد نوع المضاد الحيوي والجرعة ومدة العلاج لكل حالة على حدة.

وتابع تم إعداد بروتوكولات علاجية خاصة بكل تخصص طبي، بما في ذلك الحالات الحرجة والطوارئ والعناية المركزة ومرضى الغسيل الكلوي. كما يجرى إصدار قرار يمنع صرف المضادات الحيوية من الصيدليات دون روشتة طبية معتمدة، مؤكدا أن هذه الإجراءات تهدف إلى حماية المريض أولًا، والحد من الهدر المالي الناتج عن سوء استخدام الأدوية، مشيرًا إلى أن مقاومة المضادات الحيوية لا تهدد فقط صحة الأفراد بل أيضًا الاقتصاد الوطني، حيث تتسبب في تكاليف علاجية باهظة وخسائر في الإنتاجية.

ترشيد الدواء.. توفير في الميزانية وحماية للأرواح

ترشيد استخدام الأدوية، وخاصة المضادات الحيوية، يمكن أن يوفر نحو 30% من ميزانية الدواء، والحديث هنا أنتقل للدكتور الدكتور أحمد السبكي، رئيس الهيئة العامة للرعاية الصحية والمشرف العام على مشروع التأمين الصحي الشامل، لافتا إلى أن الهيئة بدأت تنفيذ خطة وطنية لترشيد الدواء في محافظات المرحلة الأولى لمشروع التأمين الصحي الشامل، بالتعاون مع هيئة الدواء المصرية وهيئة الشراء الموحد ومنظمة الصحة العالمية.

وأضاف الاستخدام الخاطئ للمضادات الحيوية يمثل أزمة لا تقل خطورتها عن جائحة كورونا، سواء من الناحية الصحية أو الاقتصادية، لذا فإن رفع وعي المواطنين يعد خط الدفاع الأول.

 

رقابة على الصيدليات ومنع الصرف العشوائي

وفي السياق نفسه، أعلن الدكتور ياسين رجائي، مساعد رئيس هيئة الدواء المصرية، والمتحدث الرسمي للهيئة، أن الهيئة أطلقت حملات مكثفة لمتابعة الصيدليات والتأكد من الالتزام بعدم صرف المضادات الحيوية دون وصفة طبية، متابعا أن المرحلة الأولى من الحملة تشمل منع صرف بعض أنواع المضادات الحيوية إلا بوصفة معتمدة، على أن يتم لاحقًا تطبيق القرار على جميع الأدوية، مؤكدا أن الهدف هو حوكمة تداول الأدوية ومنع الاستخدام العشوائي الذي يؤدي إلى فقدان فاعلية العلاجات وظهور سلالات بكتيرية جديدة أكثر مقاومة.

توجيهات منظمة الصحة العالمية للمواطنين

جددت منظمة الصحة العالمية تأكيدها أن التعامل مع المضادات الحيوية بحذر ليس فقط لحماية الفرد، بل لحماية المجتمع بأكمله. ودعت إلى عدم تناول المضادات الحيوية إلا بعد استشارة الطبيب المختص، وعدم حفظها لاستخدام لاحق أو مشاركتها مع الآخرين، مشددة على أنها لا تفيد في علاج الفيروسات مثل نزلات البرد أو الإنفلونزا أو كورونا.

أزمة مقاومة المضادات الحيوية لم تعد خطرًا بعيدًا، بل واقعًا يهدد حياة الملايين ويضع الأنظمة الصحية أمام تحدٍ غير مسبوق. ولعل الرسالة الأوضح التي ينبغي أن تصل إلى الجميع، هي أن كل مضاد حيوي يُستخدم بلا داعٍ اليوم، قد يفقد فاعليته غدًا، ليترك الأطباء بلا سلاح في مواجهة أبسط أنواع العدوى.

إنها مسؤولية جماعية – من المواطن والطبيب والصيدلي إلى صانع القرار – لحماية ما تبقى من فاعلية هذه الأدوية الثمينة، والحفاظ على مستقبل خالٍ من "جائحة بكتيرية" قد تكون أشد فتكًا من أي فيروس عرفناه من قبل

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء