رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

خالد العناني في «طريق الأذى».. عواصف السياسة والصدام مع إسرائيل

خالد العنانى
خالد العنانى

​في خضم التهديدات التي تلوح في الأفق، من الصراعات التي تمزق التراث وصولاً إلى تحديات المناخ التي تعيد تشكيل خارطة الاقتصاد والطاقة، يجد الدكتور خالد العنانى، نفسه أمام مهمة شاقة لا تقبل القسمة أو التقاسم، بعد فوزه بمنصب المدير العام لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) للفترة 2025-2029، إذ يواجه  إرثاً مثقلاً بقضايا تمس جوهر رسالة المنظمة، كيف سيتعامل القادم الجديد مع أزمة التمويل وحماية التراث العالمي في عالم يموج  بالتحولات.

 

الملفات الساخنة بانتظار "العناني" كثيرة ومتعددة ..هل يستطيع إنقاذ "اليونسكو" في زمن الصراعات والمناخ الغاضب؟

​ 

منظمة اليونسكو تواجه عددًا من التحديات والقضايا التي تمثل أولوية لبرنامج عمل المنظمة خلال الفترة المقبلة، أبرزها: الصراعات المسلحة وحماية التراث الثقافي، والتهديدات المناخية وانعكاساتها على الاقتصاد والطاقة والغذاء، والتمويل المالي، وتأثير كل ذلك على مواقع التراث العالمي.

​تحديات عالمية عامة (تعليمية أو ثقافية) أو داخلية في المنظمة ذاتها.

​وقالت الدكتورة هدى الملاح، مدير عام المركز الدولي للاستشارات الاقتصادية ودراسات الجدوى، إن هناك تحديات كبيرة سوف تواجه "العناني"، سواء كانت تحديات عالمية عامة (تعليمية أو ثقافية) أو داخلية في المنظمة ذاتها.

الدكتورة هدى الملاح
الدكتورة هدى الملاح

برنامج العناني الانتخابي

​وقد ركز العناني في برنامجه على حماية التراث الإنساني والتعليم الثقافي، والتكنولوجيا والثقافة والتنمية، مشيرة  إلى أنه بالنسبة للتحديات العالمية، فقد ركز "العناني" على حماية التراث الثقافي والتعليم الثقافي والتكنولوجيا والتنمية. 

وبالنظر إلى التحديات العالمية العامة، فإن نشوب الحروب بالتأكيد يؤثر على التراث الثقافي، وتدمير المواقع الأثرية نتيجة مناطق النزاعات، منها في فلسطين وسوريا واليمن وأوكرانيا والسودان، وبالتالي سيكون أمامه تحدي إرسال بعثات دولية لحماية التراث في المناطق الخطرة، وهو أمر شديد الصعوبة.

​وأشارت الملاح، إلى تحدٍ آخر وهو ظاهرة التهريب والمتاجرة في الآثار من قبل بعض الدول، كنوع من التجارة غير المشروعة والمتاجرة في الممتلكات الثقافية، بخلاف تحدٍّ آخر يتعلق بتغير المناخ وتأثيره على المناطق الأثرية والسياحية والمباني التاريخية، إضافة إلى تحدي الكوارث الطبيعية مثل ارتفاع منسوب البحار وتهديد مواقع التراث الساحلية.

 الفجوة في التعليم بين دول العالم

​وأضافت "الملاح "  هناك تحدٍ كبير يتعلق بالفجوة في التعليم بين دول العالم، بين الشمال والجنوب، وهي جزء من برنامجه الانتخابي، وكيفية نشر التعليم والثقافة في دول العالم.

​وأكدت، أن الذكاء الاصطناعي يُعد تحديًا كبيرًا، لاسيما مع الثورة التكنولوجية الراهنة، وتزوير الصور التاريخية والأثرية. وبالتالي هناك مخاوف من التكنولوجيا الجديدة والرقمنة الحديثة، ونحن في حاجة إلى وضع معايير أخلاقية لحماية التراث الثقافي من هذا الخطر الرقمي.

 

​وأشارت "الملاح" إلى وجود تحديات داخلية في المنظمة، والمعروف أن منظمة اليونسكو تضم 194 دولة، ولها صوت في الموضوعات الكبرى عند التصويت، وهذا التنوع يُعد أمرًا مُرهِقًا في اتخاذ القرار، وسيكون القرار بطيئًا، فضلًا عما يمكن تسميته "بتسييس القرارات"، لاسيما من الولايات المتحدة الأمريكية.

​وأكدت، أن دول المنظمة تحتاج إلى التوافق بينها لتمرير القرارات، فالتحدي يكمن في مواجهة تسييس القرارات. وهناك قرارات ستمر على مراحل ولجان وعقبات كثيرة في اتخاذها، وبالتالي سيكون هناك ضعف في سرعة الاستجابة للأزمات.

​كما أن هناك تحديًا كبيرًا ستواجهه المنظمة تجاه أزمات معينة، مثل أزمة التعليم في مناطق النزاع أو تدمير التراث، الأمر الذى سؤدى إلى أن تحتاج المنظمة إلى ممثلين عادلين أو تمثيل عادل بين القارات، وبالتالي سيكون تعيين الموظفين بناءً على العامل الجغرافي، وليس الموظف الأكثر كفاءة، ​كما أن هناك تحديًا آخر ضمن التحديات الداخلية المهمة وهو الحاجة إلى تحديث صورة المنظمة، وضرورة مواكبتها لمفردات عصر العولمة والرقمنة.

حماية اللغة المهددة بالانقراض 

​وترى "الملاح" أن الهوية الثقافية أحد التحديات الكبرى، ومعروف لكل بلد هويتها الثقافية التي بدأت تتغير في ظل العولمة، لأن العولمة بطبيعتها تؤدي إلى طمس وتقليل التنوع الثقافي واللغوي. وهنا يأتي دور الدكتور خالد في حماية اللغة المهددة بالانقراض والقيم الإنسانية والعادات والتقاليد وغيرها، وهي تحديات كبيرة أمام الثورة التكنولوجية، بخلاف تحدي التمييز الديني والثقافي وخطاب الكراهية.

​التحول الرقمي في التعليم الذي برز عقب جائحة "كورونا"، وبالتالي نحن في حاجة إلى رؤية من المدير العام لمنظمة اليونسكو لكيفية مواجهة هذه التحديات ومواجهة الفجوة الرقمية، لأن الرقمنة ستؤدي إلى فجوة بين الدول الفقيرة والغنية، وضمان وصول التكنولوجيا للجميع.

​وتقدمت الدكتورة هدى الملاح بروشتة نجاح للدكتور خالد بتحقيق الربط بين التراث والتنمية المستدامة، بخلق مورد اقتصادي للثقافة بدلًا من الاعتماد على دول معينة من أجل الموارد المالية، واستغلال التراث الثقافي في الدول الأعضاء بتنميته وتسويقه، وحماية التراث المهدد بالانقراض بالتعاون مع الاتحادات الإقليمية.

الصراحة والشفافية في القرارات المالية 

​وطالبت الملاح من العناني بالصراحة والشفافية في القرارات المالية وأوجه الصرف ومصادر التمويل وتخفيض النفقات وتحفيز العمل الجماعي داخل المنظمة، وعمل أولويات للإنفاق في البرامج التي تعود بفائدة على المنظمة، ويوجه التمويل نحو المشروعات ذات العائد الثقافي والعلمي المباشر، ويشجع الشراكات مع القطاع الخاص والمؤسسات الدولية لتنمية موارد المنظمة، حتى لا تتحكم دولة واحدة في موارد المؤسسة ولكي يهرب من تسييس قرارات المنظمة.

إصلاحات جوهرية لمواكبة متغيرات العصر

 

​وقال الدكتور محمد كمال، الخبير التربوي وأستاذ الأخلاق بجامعة القاهرة، إن منظمة اليونسكو بمثابة الضمير الإنساني الحي في مجالات التعليم والثقافة والعلوم، غير أنها تواجه في الفترة الحالية تحديات جوهرية تهدد فاعليتها ومصداقيتها، وتتطلب إصلاحًا جوهريًا لمواكبة متغيرات العصر، واستمرار قيامها بدورها المنوط بها.

 

الدكتور محمد كمال،
الدكتور محمد كمال،

 

العجز المالي المُزمن 

​أبرز هذه التحديات يتمثل في التسييس المُفرِط لقراراتها، إذ أصبح انتقاء مواقع التراث العالمي مثلًا ساحة للصراعات السياسية والمصالح الوطنية الضيقة، مما أفقد المنظمة حياديتها المهنية وأضعف ثقة المجتمع الدولي بها، يضاف إلى ذلك العجز المالي المُزمن، نتيجة توقف مساهمات دول كبرى، أو تخفيضها، مما يقيد برامجها ويحد من قدرتها على التدخل الفعال في مناطق الأزمات.

​أما التحدي الأكثر صعوبة فهو التكيف مع الثورة الرقمية، العالم يشهد تحولًا جذريًا في طرق إنتاج ونشر المعرفة، بينما ما زالت آليات اليونسكو تعمل بمنطق العصر التناظري، مما يهدد بفقدانها للريادة في تشكيل المشهد الثقافي والعلمي العالمي.

​وللتغلب على هذه التحديات، يجب على اليونسكو في الفترة القادمة انتهاج عدة استراتيجيات منها:

  1. استعادة المصداقية: وذلك من خلال تعزيز الشفافية واستقلالية الخبراء في عمليات صنع القرار، والتركيز على المعايير المهنية البحتة بعيدًا عن الضغوط السياسية.
  2. توسيع القاعدة التمويلية: من خلال بناء شراكات مُبتكَرة مع القطاع الخاص والمؤسسات الخيرية العالمية، وتطوير نماذج تمويل مستدامة.
  3. التحول الرقمي الجذري: بالتفاعل مع الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي، وهو ما يتطلب استباق قضايا المستقبل مثل أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، وحماية التراث الرقمي، ومكافحة التضليل الإلكتروني، وصياغة أطر تشريعية رقمية تحمي التنوع الثقافي في الفضاء الإلكتروني.

الخلاصة: إن بقاء اليونسكو كمنظمة دولية فاعلة مرهون بقدرتها على تجاوز الآليات التقليدية القديمة التي نشأت في ظلها، وتبني رؤية جديدة تجعل منها منصة حقيقية لبناء إنسانية مشتركة في عصر اللايقين والرقمنة. هذه ليست رفاهية، بل ضرورة وجودية لمواجهة تحديات العولمة والانعزالية معًا. وهو ما نأمل أن تحققه المنظمة على يد رئيسها الجديد المصري الدكتور خالد العناني وأن يضع المنظمة قيد التأثير الحقيقي على أرض الواقع.

الصراعات المسلحة  ظاهرة في القارة الأفريقية 

​يرى الدكتور مجدي علام، مستشار برنامج المناخ العالمي وأمين اتحاد خبراء البيئة، أن الصراعات المسلحة هي ظاهرة في القارة الأفريقية بشكل رئيسي، وأحد التحديات الصعبة، وتشكل جزءًا كبيرًا من تكوين القارة الأفريقية، مما يجعلها مركزًا للحروب بين دولها.

الدكتور مجدي علام
الدكتور مجدي علام

​وأشارعلام، إلى أن هذا التحدي ليس بالأمر السهل ويحتاج إلى المزيد من التعليم والثقافة، لأن التعليم لوحده ليس كافيًا للقضاء على هذه الظاهرة، ​ويرى أن الخاسر من هذه الصراعات المسلحة هو الإنسان، وبالتالي حقوق المرأة والطفل مُهدرة في أماكن النزاعات، وتتطلب تكاتفًا بين كافة المنظمات والمؤسسات الإقليمية والدولية لوقف هذا الأمر.

  مأزق التمويل

 الدكتور صالح عزب، استشاري التنمية المستدامة، أكد أن قضية التمويل هي من أهم التحديات التي تواجه الدكتور خالد العناني، خصوصًا بعد انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية، وهي سياسة انتهجتها الولايات المتحدة الأمريكية ليس فقط من منظمة اليونسكو، ولكن من عدد كبير من المنظمات الدولية، في إطار عجز الموازنة الأمريكية، وهو شيء مؤسف لأن الهدف الرئيسي من وجود منظمة اليونسكو هو نشر السلام والتعليم، مؤكدًا أن منظمة اليونسكو عليها إعادة هيكلة نفسها حتى تخرج من هذا المأزق.

نشر التعليم الجامعي وتحقيق سياسة العدل في عملية التعليم الجامعي 

 

وأضاف عزب، أن أحد أهداف منظمة اليونسكو هي التنمية البشرية التي تركز على ثلاثة محاور هي: التعليم والصحة والدخل، لاسيما نشر التعليم الجامعي، فهو هدف أساسي لها، وتحقيق سياسة العدل في عملية التعليم الجامعي من خلال الدعم الفني والسياسي، وأيضًا معايير الجودة.

الدكتور صالح عزب
الدكتور صالح عزب

​التحدي الآخر يتعلق بحماية التنوع البيولوجي، خصوصًا وأن العالم يعاني من هذه الظاهرة بسبب الإنسان وقطع الغابات، الأمر الذي أثر على الكائنات النباتية والحيوانية، خصوصًا وأن أكثر من 50% من الكائنات لا تُرى بالعين المجردة، وبالتالي قطع الغابات أثر كثيرًا لأنها موطن لهذه الكائنات.

​كما يرى عزب، أن التحدي الآخر هو قضية التغير المناخي، وهي قضية مُهمَلة، لأن الدول الصناعية هي المسؤولة عنها، وحتى الآن لم تدفع أي مبالغ مالية للدول الفقيرة، وبالتحديد منذ عام 1997 .

صدام متوقع مع  الجانب الإسرائيلي

​وانتقل الدكتور صالح، إلى قضية أخرى وهي قضية النزاعات المسلحة الخاصة في منطقة الشرق الأوسط، وبالتحديد بين إسرائيل وفلسطين، مشيرا إلى أن مديرة المنظمة السابقة كان لها موقف مؤيد للحق الفلسطيني وضد الإبادة التي تمارسها إسرائي الفلسطينيين، ولعل هذا أحد الأسباب التي دفعت إلى انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من الميزانية، وهو موقف من المتوقع أن يتعرض له الدكتور خالد العناني، أن يكون هناك صدام أو خلافات بينه وبين الجانب الإسرائيلي.

​يتوقع الدكتور صالح، أن يكون هناك صدام بين منظمة اليونسكو وإسرائيل، خصوصًا مع هذه الحكومة المتطرفة فيما يتعلق بحماية المناطق الأثرية في فلسطين، وأيضًا مع الإدارة الأمريكية الحالية، مضيفا  أن دور منظمة اليونسكو في الصراعات المسلحة سيكون محدودًا لعدم امتلاكها سلطات تنفيذية، كما أن مجلس الأمن ذاته بكافة صلاحياته فشل في أكثر من مرة في حل هذا الصراع، سواء في أوكرانيا وروسيا أو في فلسطين والإسرائيليين وغيرها من مناطق النزاعات الأخرى.

 

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء