2026 عام الحصاد للمواطن.. «إيجبتك» يرصد مؤشرات التحسن الاقتصادي على الشرائح المتوسطة والفقيرة
تستعد مصر لدخول عام 2026 وسط حالة من التفاؤل الاقتصادي الحذر، مدعومة بمؤشرات رسمية تؤكد أن البلاد تتجه نحو مرحلة جديدة من الاستقرار المالي والمعيشي، بعد سنوات من الإصلاحات الصعبة، بينما يشهد الشارع المصري تراجعًا في حدة التضخم وبدء استقرار نسبي في الأسعار، يظل السؤال الأهم: هل بدأ المواطن فعلًا في جني ثمار تلك الإصلاحات التي وُصفت بأنها «جريئة ومؤلمة» في آنٍ واحد؟
بحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، والبنك المركزي المصري، ووزارة المالية، فإن عام 2026 مرشح لأن يكون بداية فعلية لتراجع الضغوط المعيشية، وارتفاع مستوى الرفاه النسبي للشرائح المتوسطة والفقيرة، وهي الفئات التي تحملت العبء الأكبر من الموجة التضخمية العالمية والإصلاحات النقدية والمالية خلال الأعوام الماضية.
وتؤكد التقارير المحلية الصادرة حتى أكتوبر 2025 أن ملامح التحسن بدأت في الظهور بالفعل، من خلال تراجع معدلات التضخم، وتحسن مؤشرات النمو، وزيادة الإنفاق الاجتماعي، مع بقاء التحديات في مستويات الفقر والدخل الحقيقي.

نمو حقيقي مدفوع بالإنتاج والاستثمار
تشير التوقعات الرسمية إلى أن معدل النمو الحقيقي للناتج المحلي الإجمالي في مصر سيصل إلى نحو 4.8% خلال العام المالي 2025/2026، مقابل 4.3% في العام المالي السابق و2.4% في 2023/2024.
ويعود هذا التحسن إلى تعافي القطاعات الإنتاجية، وعلى رأسها الصناعة والزراعة والسياحة والطاقة، وهي القطاعات التي تمس مباشرة حياة ملايين العاملين من الشرائح المتوسطة والفقيرة.
وأكدت وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية أن الناتج المحلي الإجمالي الاسمي بلغ نحو 17.3 تريليون جنيه في 2024/2025، مع توقعات بارتفاع إضافي في العام التالي مدفوعًا بتحسن بيئة الأعمال وتدفق الاستثمارات الأجنبية، خصوصًا بعد تنفيذ صفقة رأس الحكمة البالغة 35 مليار دولار.
هذا النمو لا يقتصر على الأرقام فحسب، بل ينعكس على خلق فرص عمل جديدة في قطاعات كثيفة العمالة، مثل الزراعة والصناعات الغذائية والإنشاءات، مما يساعد في تحسين مستويات الدخل للفئات محدودة ومتوسطة الدخل.
في المقابل، يشير خبراء الاقتصاد إلى أن النمو الحقيقي لن يتحول إلى «تحسن معيشي ملموس» إلا إذا استمر اتجاه خفض التضخم وتوسعت برامج الحماية الاجتماعية لتغطية الفئات الأكثر احتياجًا.
تراجع التضخم.. أول إشارة للراحة
يُعد تراجع التضخم أبرز ما شهده الاقتصاد المصري خلال عام 2025، حيث انخفض التضخم السنوي العام إلى 10.3% في سبتمبر 2025، مقارنةً بـ33% في الربع الأول من 2024.
وبحسب «البنك المركزي المصري»، تراجع التضخم الأساسي – الذي يستثني أسعار الغذاء والطاقة – إلى 13.6% في الربع الأول من 2025، وهو أدنى مستوى له منذ عامين.

هذا التراجع لم يأتِ صدفة، بل نتيجة حزمة من الإجراءات النقدية والمالية التي تضمنت رفع أسعار الفائدة بمقدار 800 نقطة أساس خلال 2024، ما ساعد في كبح جماح الأسعار واستقرار سوق الصرف، بجانب تحسن الإمدادات السلعية وتراجع تضخم الغذاء إلى نحو 6.6% في مارس 2025.
ويرى البنك المركزي أن الوصول إلى تضخم أحادي الرقم مع نهاية عام 2025 سيكون علامة على استعادة الثقة النقدية، بما ينعكس مباشرة على الشرائح الفقيرة التي كانت الأكثر تضررًا من موجات الغلاء.
الأسعار في الأسواق.. من اللهيب إلى الهدوء النسبي
على أرض الواقع، بدأت الأسواق تشهد تغيرًا ملموسًا في إيقاع الأسعار، خاصة في المواد الغذائية والخدمات الأساسية، إذ يرى الخبير الاقتصادي الدكتور أحمد معطي أن قرار البنك المركزي الأخير بخفض سعر الفائدة 1% جاء «في التوقيت المثالي»، بعدما تأكد استقرار الأسعار عند مستويات مقبولة.
وقال معطي لـ«إيجبتك»: «خفض الفائدة خطوة مدروسة تتيح مزيدًا من السيولة وتدعم النشاط الإنتاجي، خصوصًا في الصناعة والعقارات، دون التسبب في موجة تضخمية جديدة».
ويضيف أن الفائدة المرتفعة كانت سلاحًا فعالًا في مواجهة التضخم، لكنها في الوقت نفسه قيدت حركة الاستثمار والإنتاج. لذلك، فإن التحول التدريجي نحو خفض الفائدة يعكس ثقة في الاقتصاد، ويمهد الطريق أمام مرحلة من «التعافي الإنتاجي» الذي سيستفيد منه المواطن مباشرة في شكل فرص عمل وأسعار مستقرة.

الفقر.. من التحدي إلى التراجع المحتمل
وفقًا لأحدث بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بلغ معدل الفقر في مصر 33.5% في العام المالي 2021/2022، مع مؤشرات غير رسمية تشير إلى ارتفاع طفيف إلى نحو 35.7% في 2024 بسبب التضخم العالمي وتباطؤ النمو خلال جائحة كورونا وما بعدها.
لكن مع تحسن مؤشرات الأسعار والنمو في 2025–2026، تتوقع المؤسسات المحلية استقرار معدل الفقر أو بداية انخفاضه تدريجيًا، خاصة مع توسع مبادرة حياة كريمة التي ضخت 800 مليار جنيه لتطوير الريف المصري، وبرنامج تكافل وكرامة الذي غطى 3.7 مليون أسرة.
ويرتبط الفقر في مصر ارتباطًا وثيقًا بسوق العمل، إذ تشير البيانات إلى أن معدل البطالة تراجع إلى 7% في 2023، مقابل 12.8% في 2015، فيما بلغت نسبة بطالة الشباب (15–29 عامًا) نحو 15%.
ومع توقعات بتعافي الاقتصاد وارتفاع معدل التشغيل إلى أكثر من 43% من السكان في سن العمل عام 2026، فإن انعكاس ذلك على مستويات الدخل قد يكون ملحوظًا في النصف الثاني من العام.
الإنفاق الاجتماعي.. درع الدولة لحماية المواطن
يظل الإنفاق الاجتماعي هو «الركيزة الأهم» في حماية الطبقات المتوسطة والفقيرة من آثار الإصلاح الاقتصادي، إذ تشير بيانات وزارة المالية إلى أن إجمالي الإنفاق على الحماية الاجتماعية بلغ 732.6 مليار جنيه في موازنة العام المالي 2025/2026، بزيادة كبيرة عن الأعوام السابقة، مع التركيز على التحول من الدعم العيني إلى الدعم النقدي المباشر لتحسين كفاءة التوزيع والوصول إلى المستحقين الفعليين.
كما خصصت الدولة 315 مليار جنيه للتعليم و246 مليار جنيه للصحة، مع زيادة دعم السلع التموينية إلى 127 مليار جنيه وزيادة المعاشات بنسبة 15% لـ13 مليون مواطن.

وتعكس تلك الأرقام توجهًا حكوميًا واضحًا نحو «التنمية الموجهة للمواطن»، خصوصًا بعد رفع الحد الأدنى للأجور إلى 7000 جنيه شهريًا مع بداية العام المالي الجاري، ما ساهم في تعزيز القدرة الشرائية ولو جزئيًا.
ويشير خبراء الاقتصاد إلى أن الفائض الأولي المتوقع بنسبة 4% من الناتج المحلي في 2026 سيوفر مساحة مالية إضافية لمواصلة الإنفاق الاجتماعي دون زيادة في عجز الموازنة.
رائد سلامة: الإنتاج هو كلمة السر
من جانبه، يؤكد الدكتور رائد سلامة، الباحث الاقتصادي ومقرر مساعد لجنة التضخم بالحوار الوطني، أن «تحسن المؤشرات الرقمية لا يعني بالضرورة انخفاض الأسعار الملموس».
وأوضح سلامة لـ«إيجبتك»:«حين ترتفع الأسعار بنسبة 35% في عام، ثم 14% في العام التالي، فالمقارنة تتم على الأسعار الجديدة المرتفعة أصلًا. لذلك يظل الضغط المعيشي قائمًا رغم التحسن النسبي في المؤشرات».
ويرى سلامة أن الأزمة الاقتصادية في جوهرها كانت «أزمة دولار أكثر من كونها أزمة تضخم داخلي»، مشيرًا إلى أن استقرار سوق الصرف كان الشرط الأساسي لبدء تحسن الأسعار.
ويضيف: «الانتقال من مرحلة الاستقرار إلى مرحلة التعافي يتطلب زيادة الإنتاج المحلي، وليس فقط ضبط الفائدة أو سعر الصرف. فالإنتاج هو الذي يصنع العملة، ويولد الوظائف، ويخفض الأسعار».

ويرى سلامة أن «السردية الوطنية للتنمية» التي أعلنتها وزيرة التخطيط الدكتورة رانيا المشاط تمثل «خريطة طريق حقيقية» تربط بين القطاعات الاقتصادية والاجتماعية والمالية، مع التركيز على الصناعة والزراعة والسياحة كمحركات للنمو المستدام.
ويؤكد أن تنفيذ تلك السردية بدقة ومتابعة سيجعل عام 2026 بالفعل عامًا للتحول الملموس، لا مجرد مرحلة رقمية في الجداول الإحصائية.
الدين العام.. مؤشرات انضباط مالي
في جانب المالية العامة، تشير المؤشرات المالية خلال العام المالي الماضي 2024/2025، شهدت تحسنًا كبيرًا مدفوعة بـ زيادة الإيرادات نحو 2.6 مليار دولار بنسبة نمو 35% مقارنة بالعام السابق، وفق أحمد كوجك، وزير المالية.
وأوضح أن العجز الكلي سجل نحو 1.290 تريليون جنيه، أي ما يعادل 7.4% من الناتج المحلي الإجمالي، مع توقعات انخفاض تدريجي إلى 6.7% في 2026.
كما تشير تقديرات ستاندرز آند بورز إلى انخفاض الدين العام إلى 84% من الناتج المحلي بنهاية العام المالي الجاري، بجانب هبوط عجز الحساب الجاري إلى 3.8% في 2028 مقارنة بـ5.4% في 2024، ما يقلل الضغط على الموازنة العامة ويعزز ثقة المستثمرين في الاقتصاد المصري.
من الأرقام إلى الواقع.. هل بدأ الحصاد؟
رغم كل تلك المؤشرات الإيجابية، لا يزال الشارع المصري مترددًا في الحكم على التحسن المعيشي الفعلي، فالأسعار وإن استقرت نسبيًا، لم تنخفض بالقدر الذي يشعر به المواطن البسيط، ودخل الأسر لا يزال تحت ضغط احتياجات المعيشة اليومية.
لكن تشير المعطيات إلى أن عام 2026 قد يشهد التحول الأكبر منذ بداية برنامج الإصلاح الاقتصادي، خاصة إذا استمر التراجع في التضخم وتواصل الدعم للقطاعات المنتجة.
ويرون الخبراء أن تقوية الجنيه المصري لن تتحقق إلا عبر توسيع قاعدة الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الواردات، وهو ما سيؤدي تدريجيًا إلى تراجع الطلب على الدولار وتثبيت الأسعار.
ما بين الأرقام والتحليلات، يبدو أن الاقتصاد المصري يقف على أعتاب مرحلة جديدة من التوازن والاستقرار، فها قد بدأت الإصلاحات النقدية والمالية تؤتي ثمارها، والسياسات الاجتماعية توسعت لحماية الفئات الأضعف، والمؤشرات العامة تتجه نحو التحسن، ويظل السؤال هل يشعر المواطن المصري بالفعل بأن عام 2026 سيكون عام الحصاد الحقيقي؟ أم أن الطريق إلى التعافي المعيشي ما زال بحاجة إلى المزيد من الصبر والعمل والإنتاج؟.