حكم الرجوع عن الهبة بدعوى جحود الموهوب له؟ دار الإفتاء تجيب
قالت دار الإفتاء إنّه ليس للواهب الرجوع في المال الذي وهبه لصديقه، ولا يجوز له أن يقهره على إعادة العين دون إرادته ورضاه بدعوى جـحوده؛ لأنَّ مال الهبة الذي دفعه الواهب للموهوب له قد تبدَّل من عينٍ (هي المال) إلى عينٍ أخرى (هي الوحدة السكنيَّة)، مما يترتب عليه قيام مانعٍ من موانع الرجوع في الهبة.
وأوضحت الإفتاء أنّ مذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، والمفهوم ممَّا جاء في كلام الحنفية أنه يجوز للواهب أن يرجع في هبتِهِ، لكنهم نصُّوا على أنَّ ذلك مما يُستقبح ولا يستحب فعله ديانةً، ثم إنهم قيَّدوه بجملة من الموانع التي إن تحَقَّق أحدُها بطريق القضاء امتَنَع الرجوع، ومنها التغيُّر من جنسٍ إلى جنس -كما في مسألتنا-، فإنه مانعٌ من الرجوع ويقطع حقَّ التملك.
مراعاة الشريعة الإسلامية الغراء لجوانب الإنسان المختلفة من حيث العقود والأحكام
وقالت دار الإفتاء :إنّ من تكامل الشريعة الإسلامية أنها راعت في أحكامها جوانب الإنسان المختلفة، فكما شرعت له من الأحكام ما تحقق به حاجته المادية كالبيع والشراء، شرعت له من الأحكام ما تحقق به حاجته النفسية من الشعور بالتآلف والتعاون والمحبة والعرفان بينه وبين أهله وأقرانه وأخلائه، وتمثل ذلك في الحث على المعاملات التي من شأنها إرساء هذه المعاني وتحقيقها، كالتواهب والتهادي والصدقات، والنفس بطبيعتها مجبولةٌ على حب من أحسن إليها.
وتابعت: ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تَهَادَوا تَحَابُّوا» ".
وعنه أيضًا رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تَهَادَوْا، فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وَغَرَ الصَّدْرِ»
وعَنِ عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «جُبِلَتِ الْقُلُوبُ عَلَى حُبِّ مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهَا.
حكم الهبة، والحكمة من تشريع عقد الهبة، وأثرها في نفس الواهب والموهوب له
وأوضحت الإفتاء أنّ الهبة عقدٌ من العقود التي ندب الشرع الشريف إلى بذلها؛ توطيدًا لعوامل الترابط الإنساني المجرد من النظرة المصلحية أو المنفعة المادية، مع ما في ذلك من ترويض النفس على البذل وتخليصها من عوامل الشُّح والبخل.
حكم عقد الهبة بعد تمامه واستيفائه
قالت دار الإفتاء : إنّ الأصل في العقود -من حيث الجملة- بعد تمامِها واستيفاء المعقود عليه أن تكون لازِمة لأطرافها، فلا يصِحُّ لهم فسخها أو الرجوع فيها دون تراضٍ بينهم على ذلك.
عقد الهبة وضوابطه في فقه أبي حنيفة
وأوضحت دار الإفتاء أنّ فقهاءُ الحنفية ذهبوا إلى أنَّ الهبة عقدٌ غير لازم لطرفيه، فيجوز الرجوع فيها مع كراهته إلَّا أن يحصل مقصودُ الواهب من الهبة، كصلة الرحم، أو يقوم مانع يمنع من الرجوع فتلزم ولا يجوز الرجوع.
موقف القانون المصري من الرجوع في الهبة وضوابط ذلك
وأكّدت دار الإفتاء أنّ ما عليه الحنفية هو ما اختاره القانون المدني المصري، فقد نصَّت المادة (502) منه على الآتي: [يُرفَض طلبُ الرجوع في الهبة إذا وُجِد مانع من الموانع الآتية:
- إذا حَصَلَ للشيء الموهوب زيادةٌ متصلةٌ موجِبةٌ لزيادة قيمته، فإذا زال المانعُ عاد حقُّ الرجوع.
- إذا مات أحدُ طرفي عقدِ الهبة.
- إذا تصرَّف الموهوبُ له في الشيء الموهوب تصرُّفًا نهائيًّا، فإذا اقتصر التصرفُ على بعض الموهوب، جاز للواهب أن يرجع في الباقي.
- إذا كانت الهبةُ من أحد الزوجين للآخر، ولو أراد الواهبُ الرجوعَ بعد انقضاء الزوجية.
- إذا كانت الهبةُ لذوي رحم محرم.
- إذا هلك الشيءُ الموهوبُ في يد الموهوب له، سواء كان الهلاك بفعله أو بحادث أجنبي لا يدَ له فيه أو بسبب الاستعمال، فإذا لم يهلك إلا بعضُ الشيءِ جاز الرجوعُ في الباقي.
- إذا قدَّمَ الموهوبُ له عِوضًا عن الهبة.
- إذا كانت الهبةُ صدقةً أو عملًا من أعمال البر.
واختتمت الإفتاء : تأسيسًا على ما سبق، فالمفهوم ممَّا جاء في كلام الحنفية أنه يجوز للواهب أن يرجع في هبتِهِ، لكنهم نصُّوا على أنَّ ذلك مما يُستقبح ولا يستحب فعله ديانةً، ثم إنهم قيَّدوه بجملة من الموانع التي إن تحَقَّق أحدُها بطريق القضاء امتَنَع الرجوع، ومنها التغيُّر من جنسٍ إلى جنس، فإنه مانعٌ من الرجوع ويقطع حقَّ التملك، وعليه فإذا كان ما وَهَبَه الصديق لصديقِهِ هو مبلغًا من المال وقد تصرَّف فيه الموهوب له وصار شقة سكنية، فعينُ الهبة حينئذٍ قد تبدَّلت إلى غيرها، وهذا يُعَدُّ مانعًا من موانع الرجوع في الهبة عندهم كما سبق بيانه، إضافةً إلى أنَّ الجـحود الذي يَدَّعيه الواهب حدث بعد سنوات، مما يعني أن صديقه قد كافأه على هبته وإحسانه ببرِّه مدة من الزمن، والأصل أنَّ الهبة عقدُ تبرع لا يُقصد به الإثابة في الدنيا، والبرُّ بالواهب من مكارم الأخلاق الذي حثَّ الشرع عليه على كل حال.
وتابعت: مال الهبة الذي دفعه الواهب للموهوب له قد تبدَّل من عينٍ (هي المال) إلى عينٍ أخرى (هي الوحدة السكنيَّة)، مما يترتب عليه قيام مانعٍ من موانع الرجوع في الهبة، وعليه: فليس للواهب الرجوع في المال الذي وهبه لصديقه، ولا يجوز له أن يقهره على إعادة العين دون إرادته ورضاه بدعوى جـحوده.