طلاء أحمر يوقظ التاريخ في إسبانيا.. سر الهجوم على لوحة تكريم كولومبس
في 12 أكتوبر 2025، تزامنًا مع العيد الوطني الإسباني، اقتحمت ناشطتان بيئيتان ، قاعة العرض في المتحف البحري بمدريد، ورشتا طلاءً أحمر قابلًا للتحلل على جانب لوحة" التكريم الأول لكولومبس".
لم يكن أحد يتوقع أن تتحوّل اللوحة التي ولدت قبل أكثر من قرن لتمجّد لحظة "الاكتشاف العظيم" إلى ساحة احتجاجٍ صاخبة.
الناشطتان لم تمسا اللوحة بضررٍ دائم، فقد تم تنظيفها بسرعة، لكن فعلهما أحدث ما هو أعمق من الأثر المادي ـ زلزالًا رمزيًا في ذاكرة الأمة الإسبانية.
الذاكرة الرسمية والوعي المعاصر
حادث رشّ الطلاء الأحمر على لوحة "التكريم الأول لكولومبس، لحظة رمزية مفصلية في صراعٍ طويل بين الذاكرة الرسمية والوعي المعاصر، بين من يرى في كولومبس فاتحًا للآفاق، ومن يراه فاتحًا للجراح.
فبين من وصف الحادث بأنه “تخريب للفن” ومن رآه “فنًا مقاومًا”، تحوّل النقاش من الجماليات إلى الأخلاق، ومن المتحف إلى التاريخ.
اللون الأحمر هنا لم يرمز إلى الجمال، بل إلى دماء الملايين من الشعوب الأصلية التي دفعت ثمن “اكتشاف العالم الجديد”.
ولادة لوحة على أنقاض أربعة قرون
اللوحة، التي رسمها الفنان الإسباني خوسيه غارنيّلو إي ألدا عام 1892، كانت تكليف رسمي من الدولة الإسبانية للاحتفال بالذكرى الـ400 لوصول كريستوفر كولومبس إلى العالم الجديد.
كان القرن التاسع عشر في إسبانيا قرن الحنين إلى المجد الضائع، زمن كانت فيه البلاد تحاول ترميم صورتها كإمبراطورية بحرية بعد قرون من التراجع والانقسام.
ومن هنا جاءت فكرة تخليد "اللحظة الأولى" التي ولدت فيها أميركا الأوروبية على يد البحّار القادم من جنوة.
يقف كولومبس في مقدمة اللوحة، مرتديًا زيه الرسمي، ممسكًا بالصليب والعلم، بينما يركع أمامه السكان الأصليون في وضعٍ أقرب للانبهار أو الخضوع،الخلفية تغمرها ألوان الذهب والبني، كما لو أن الشمس تبارك المشهد.
هكذا قدّم غارنيّلو لحظة "الاكتشاف" كولادة لعالمٍ جديد، دون أن يلتفت إلى العالم الذي كان يُسحق تحت أقدام هذا الاكتشاف.
حين يرسم الفن وجه الإمبراطورية
لم يكن غارنيّلو مجرد رسام، بل أحد ممثلي المدرسة الأكاديمية الكلاسيكية الإسبانية، التي كانت تؤمن بأن الفن يجب أن يخلّد "الإنجاز الوطني" وأن يجمّل التاريخ مهما كانت ملامحه.
لذلك جاءت لوحته كأنها مشهدٌ من مسرحٍ بطولي، تتجسّد فيه إسبانيا كحاملة رسالة الحضارة إلى شعوبٍ "بدائية" تنتظر النور.
لكن وراء الألوان اللامعة والملابس المزركشة، تُخفي اللوحة خطابًا استعمارياً واضحًا، فالمشهد لا يكتفي بتصوير التاريخ بل يُعيد تأليفه من زاوية المنتصر.
السكان الأصليون بلا ملامح محددة، أجسادٌ عارية تنحني أمام الراية الأوروبية، فيما يحتل كولومبس المركز كرمزٍ للقيادة والتنوير.
هكذا تتحول اللوحة إلى وثيقة بصرية للهيمنة الثقافية، تُعبّر عن لحظةٍ كان فيها الفن أداة لتكريس فكرة "الآخر الأدنى"، لا لتحديها.
من التمجيد إلى التورط: الفن في اختبار الأخلاق
حين عرضت اللوحة لأول مرة في مدريد عام 1892، ثم في معرض شيكاغو العالمي عام 1893، استقبلها الجمهور ببهجة وطنية عارمة، وحصلت على ميدالية ذهبية، كانت ترى آنذاك كرمز للفخر القومي، لتاريخٍ صنعته الشجاعة والمغامرة.
لكن مع تحوّل الوعي الإنساني في القرن العشرين، ومع صعود الدراسات ما بعد الكولونيالية، تغيّر كل شيء.
فما كان يُسمّى “اكتشافًا” أصبح يُوصف بأنه غزوٌ واستعبادٌ وإبادةٌ ثقافية.
تدريجيًا، بدأت اللوحة تُقرأ من زاوية أخرى، كصورة عن العنف المقنّع بالجمال.
الألوان التي كانت تمثّل “النور” باتت تذكّر بوهج النيران التي أحرقت قرى الهنود الحمر.
والصلبان التي بدت رمزًا للخلاص، صارت في نظر الكثيرين رموزًا للغزو الديني والثقافي.
الفن كساحة اشتباك مع الماضي
ما فعله الطلاء لم تفعله قرون من النقد الأكاديمي، لقد أعاد اللوحة إلى دائرة الضوء، بوصفها مرآة لصراعٍ لم يحسم بعد.
النقاد الإسبان اليوم يرون أن ما حدث يكشف تحوّل الفن من أداة سلطة إلى مساحة مساءلة.
فبينما كانت اللوحة تكرّس خطابًا رسميًا عن "بطولة كولومبس"، جاء الطلاء ليذكّر العالم بأن وراء كل مجدٍ حكاية ألمٍ مسكوت عنها.
الطلاء الأحمر كفن مضاد
من المثير أن كثيرًا من النقاد المعاصرين يرون أن فعل رشّ الطلاء نفسه يحمل قيمة فنية.
فهو ليس تدميرًا، بل إعادة كتابة للوحة بلغة العصر، الطلاء الأحمر، في قراءتهم، ليس لونًا خارجيًا، بل امتداد للون الغائب لون الدم الذي لم يجرؤ الرسام على وضعه عام 1892.
الفن لا يعيش في عزلة عن القيم المعاصرة
اللافت أن المتحف البحري لم يُخَفِ الواقعة بعد تنظيف اللوحة، بل أعلن عنها وأصدر بيانًا يؤكد “تفهمه لحق التعبير السلمي”، ما اعتبره البعض مؤشرًا على تغيّر النظرة الرسمية للفن والتاريخ في أوروبا.
فقد أدركت المؤسسات الثقافية أن الفن لا يعيش في عزلة عن القيم المعاصرة، وأن التجميل لا يُلغي الألم.
ربما لم يكن غارنيّلو ليتخيل يومًا أن عمله الذي أراد به تمجيد كولومبس، سيتحوّل بعد 133 عامًا إلى نقطة اشتباك بين الماضي والمستقبل.
لوحة في مواجهة العالم
حادثة كولومبس ليست الأولى من نوعها، فقد سبق أن تعرّضت لوحات فنية كلاسيكية عدة لمثل هذه الاحتجاجات، من لوحة “الصرخة” لمونك إلى “زهور دوّار الشمس” لفان جوخ، وكلها جاءت في إطار الحركات البيئية أو المناهضة للحروب.