مفهوم البدعة في الدين والتقسيم الشرعي للبدعة.. دار الإفتاء توضّح
قالت دار الإفتاء؛ إنّه ورد في السنة النبوية «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ»، ومفهوم هذا الكلام النبوي البليغ أن من أحدث فيه ما هو منه فهو مقبول؛ تمامًا كما فعل سيدنا عثمان رضي الله عنه في الأذان الثاني يوم الجمعة، وما فعله سيدنا عمر رضي الله عنه من جمع الناس على التراويح جماعةً عشرين ركعة، فكان ذلك منهما سُنةً حسنة، وهكذا، وهذا هو فهم الأئمة والمذاهب الفقهية المتبوعة، وهو ما جرى عليه عمل المسلمين سلفًا وخلفًا من غير نكير معتبَر، ولو لم نقل بذلك لضاقت على الناس معايشهم ولأصبح واجبًا عليهم ترك كثير من أمور حياتهم ومعيشتهم.
أقسام البدعة في نظر علماء الشريعة
وأوضحت دار الإفتاء أنّ العلماء يقسمون البدعة إلى أقسام: فمنها المباحة، ومنها المستحبة، ومنها المحرمة، ومنها المكروهة، ومنها الواجبة؛ أي إنها تعتريها الأحكام التكليفية الخمسة.
وتابعت الدار: وقد شذّ في هذه المسألة بعضهم فزعم أنه ما من بدعة إلا وهي سيئة؛ مخالفًا بذلك قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا...، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا...».
وعليه يكون المراد من قوله صلى الله عليه وآله وسلم فيما رواه مسلمٌ: «كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» ما جاء على غير أصول الشرع المتفق عليها وخالف منهج الإسلام الصحيح وليس كل ما هو محدَث.
مذاهب العلماء في تحديد معنى بالبدعة
وأوضحت دار الإفتاء أن للعلماء في هذا الأمر مسلكين: المسلك الأول؛ وهو مسلك الإمام العز بن عبد السلام؛ حيث اعتبر أن ما لم يفعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم بدعة، وقسَّمها إلى أحكام، حيث قال في "قواعد الأحكام في مصالح الأنام": فِعْلُ مَا لم يعهد في عصر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهي منقسمة إلى؛ بدعة واجبة، وبدعة محرمة، وبدعة مندوبة، وبدعة مكروهة، وبدعة مباحة، والطريق في معرفة ذلك أن تعرض البدعة على قواعد الشريعة فإن دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة، وإن دخلت في قواعد التحريم فهي محرمة، وإن دخلت في قواعد المندوب فهي مندوبة، وإن دخلت في قواعد المكروه فهي مكروهة، وإن دخلت في قواعد المباح فهي مباحة].
وأكّد الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني على هذا المعنى حيث قال : [وكل ما لم يكن في زمنه يسمى بدعةً، لكن منها ما يكون حسنًا، ومنها ما يكون بخلاف ذلك].
والمسلك الثاني: جعل مفهوم البدعة في الشرع أخص منه في اللغة، فجعل البدعة هي المذمومة فقط، ولم يسم البدع الواجبة والمندوبة والمباحة والمكروهة بدعًا كما فعل الإمام العز بن عبد السلام، وإنما اقتصر مفهوم البدعة عنده على المحرَّمة، وعلى ذلك جماهيرُ الفقهاء، وممن ذهب إلى ذلك الإمامُ ابن رجب الحنبلي، ويوضح هذا المعنى فيقول في "جامع العلوم والحكم" [المراد بالبدعة ما أُحْدِثَ ممَّا لا أصل له في الشريعة يدلُّ عليه، فأمَّا ما كان له أصلٌ مِنَ الشَّرع يدلُّ عليه، فليس ببدعةٍ شرعًا، وإنْ كان بدعةً لغةً]
وأوضحت دار الإفتاء أنّ المسلكين اتفقا على حقيقة مفهوم البدعة المذمومة شرعًا، وإنما الاختلاف في المدخل للوصول إلى هذا المفهوم المتفق عليه، وهو أن البدعة المذمومة التي يأثم فاعلها شرعًا هي التي ليس لها أصلٌ في الشريعة يدل عليها، وهي المرادة من قوله صلى الله عليه وآله وسلم فيما أخرجه مسلمٌ في "صحيحه" عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: «كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ
البدعة وأقسامها
وأكّدت دار الإفتاء أنّ العلماء قالوا بتقسيم البدعة تبعًا لأقسام الأحكام التكليفية كالواجب والمندوب والمكروه والحرام
فجمع القرآن في مصحف واحد على عهد أبي بكر الصديق كان واجبًا ‘ وصلاة التراويح في المسجد بإمام واحد من البدع المندوبة
واختتمت الإفتاء : مما سبق يتضح أن هناك مسلكين: مسلَكًا إجماليًّا: وهو الذي ذهب إليه الإمام ابن رجب الحنبلي وغيره، وهو أن الأفعال التي يثاب المرء عليها ويشرع له فعلها -بعد تحقيق الأصول الشرعية والأدلة المرعية عند الأصوليين- لا تسمى بدعةً شرعًا وإن صدق عليها الاسم في اللغة، وهو يقصِد أنها لا تسمى بدعةً مذمومةً شرعًا، ومسلكًا تفصيليًّا: وهو ما ذكره الإمام العز بن عبد السلام وأوردناه تفصيلًا، والقاسم المشترك بين المسلكين أنه ليس كلُّ مُحدَث في العبادات أو المعاملات منهيًّا عنه؛ بل الأمور المحدثة تعتريها الأحكامُ التكليفيةُ بحسب ما تدل عليه الأصول الشرعية، أمَّا الزعمُ بأنها محرمةٌ اتِّكاءً على تسميتها بدعةً عند بعض العلماء، فغيرُ سديدٍ؛ لأنه يسد باب الاجتهاد المعمول به المستقر بين العلماء، وهذا هو عين البدعة المذمومة التي جاء الشرع بالنهي عنها..