عزبة الزبالين.. حين تتحول القمامة إلى ذهب يصدر للعالم
في قلب القاهرة الصاخبة، وعلى بُعد دقائق من وسط البلد وأسواقها، تختبئ منظومة اقتصادية فريدة من نوعها، لا تشبه أي صناعة أخرى في البلاد وهناك، في سفوح المقطم، وتحديدًا بمنطقة منشية ناصر، تقع "عزبة الزبالين".
عالم القمامة به حكايات مثيرة، حيث رصد «إيجبتك» عالمٌ موازٍ ينبض بالحياة بين أكوام النفايات، حيث تتحوّل القمامة إلى ذهبٍ فعليٍّ، وتتحول الروائح الكريهة إلى رائحة رزقٍ يوميٍّ لا ينقطع وورغم أن الاسم يوحي بالفقر والتهميش، إلا أن الواقع داخل العزبة يحكي قصة مختلفة تمامًا فبين أزقتها الضيقة ومصانعها البدائية، تتجلّى واحدة من أعقد المنظومات الاقتصادية غير الرسمية في مصر؛ منظومة لا تعتمد على رأس مال كبير أو استثمارات أجنبية، بل على عرقٍ ومعرفة تراكمت عبر أجيال من العاملين في "صناعة القمامة".
ورصد موقع «إيجيبتك» كيف تتحوّل أكياس النفايات إلى مواد خام، تُعاد معالجتها وتصديرها للخارج، لتضع هذه البقعة الصغيرة اسمها على خريطة الاقتصاد المصري دون أن تشعر بها الدولة إلا نادرًا فـ"عزبة الزبالين"، التي يسكنها نحو ستة آلاف نسمة فقط، تعمل كخلية نحلٍ لا تهدأ، تمتد أنشطتها من جمع وفرز ونقل، إلى غسيل وفرم وصهر وتدوير، حتى تصدير منتجاتها إلى أسواق في الصين والسعودية ودول أخرى وحين تدخل العزبة لأول مرة، يداهمك مزيج غريب من الأصوات والروائح والألوان وصبيةٌ يركضون خلف عربات محمَّلة بأكياس ضخمة، نساءٌ يغسلن البلاستيك في أحواض معدنية، رجالٌ يفرغون حمولة شاحنات القمامة القادمة من كل أحياء العاصمة. في كل زاوية حركة، وفي كل حركة غاية، وفي كل غاية حياة وإنها منظومة لا تعرف الهدوء ولا تعرف العشوائية أيضًا.
فلكل نوعٍ من المخلفات تاجر مختص، ولكل تاجر منطقة محددة، ولكل ورشة وظيفة دقيقة ضمن سلسلة إنتاج ضخمة، تبدأ من "الزبال" الذي يجمع القمامة من الشوارع، وتنتهي عند "المصدّر" الذي يرسل منتجات التدوير إلى الخارج وفي الوقت الذي يراها البعض مجرد "عشوائية من النفايات"، يراها العاملون فيها منجم رزقٍ وكرامة فمن داخل هذه الجبال الرمادية، تتولد صناعة حقيقية تسهم في الاقتصاد الوطني، وتوفّر فرص عملٍ لمئات الآلاف من المصريين، وتُعيد لمصر دورها كمركز إقليمي في مجال التدوير والاستفادة من المخلفات.. إنها قصة مصرية عن التحوّل من القاع إلى القمة؛ عن بشرٍ عاشوا على هامش المدينة، لكنهم صنعوا لأنفسهم اقتصادًا مستقلًا، يُدار بعقلٍ جماعيٍّ وتنظيمٍ دقيق، ليصبحوا نموذجًا فريدًا في إدارة الموارد المهدَرة فـ"عزبة الزبالين" ليست مجرد حيٍّ فقيرٍ من أحياء القاهرة، بل رمزٌ لصمودٍ اقتصاديٍّ شعبيٍّ استطاع أن يستخرج الذهب من القمامة، وأن يُعيد تعريف معنى العمل والإنتاج في مجتمعٍ يُلقي يوميًا بملايين الأطنان من النفايات.
من قلب القمامة.. تبدأ الحكاية
ما قد يراه الناس "نفايات"، يراه سكان العزبة "رأس مال" وهناك، لا مكان للارتجال؛ إذ يقوم العمال والأطفال بفرز كل نوع من المخلفات بدقة مذهلة من بلاستيك، زجاج، ورق، ملابس، معادن.. لكل نوع تاجر متخصص لا يتعدى على غيره .. وسيم، أحد كبار التجار، يقول بثقة التخصص هو اللي بيحمينا من الخسارة وكل تاجر له نوع معين بيتعامل فيه، وده بيمنع الفوضى ويخلينا نعرف نزبط شغلنا حتى مع تغيّرات السوق"
المعلم جرجس.. يحوّل "الشكاير" إلى صناديق تصدير
في أحد أركان العزبة، يعمل المعلم جرجس في تدوير المواد البلاستيكية ويشتري الشكائر القديمة بسعر 1500 جنيه للطن، ويمر بها عبر عملية معقدة تبدأ بالتبوير، ثم جهاز هزاز مغناطيسي لتنقية المواد، تليها غربلة للتراب الذي يُستخدم لاحقًا في صناعة أصاري الزرع وأما بقايا الشكاير فتتحول إلى خرز بلاستيك يباع للمصانع بسعر يصل إلى 7000 جنيه للطن ويقول جرجس بفخر"الشغل هنا مبيتوقفش، كل حاجة بتدخل المصنع بتطلع منتج نضيف قابل للتسويق."
شحاته المقدس: نعيد تدوير 18 ألف طن يوميًا
يصف شحاته المقدس، نقيب الزبالين، ما يجري في العزبة بأنه "اقتصاد موازٍ يخدم الدولة ويوفر ملايين الدولارات وإحنا بنرفع 18 ألف طن قمامة يوميًا من القاهرة الكبرى. عندنا مليون عامل نظافة، و3500 سيارة مملوكة لناس مننا، وبنشتغل من غير دعم حكومي مباشر ويُقسم المقدس الكميات قائلًا8000 طن مواد عضوية تُستخدم كغذاء لـ 800 ألف خنزير يتغذون عليها للتخلص من المخلفات البيولوجية و6000 طن مواد صلبة تدخل خطوط الغسيل والفرم والتدوير والباقي يُدفن بطريقة صحية وآمنة وكل طن محتاج 11 شخص يشتغل عليه، يعني إحنا بنوفر آلاف فرص العمل، وبنصدّر كمان منتجات زينا زي أي مصنع."

من مصانع العزبة إلى أسواق العالم
ما يخرج من العزبة لا يذهب فقط للسوق المحلي؛ فالكثير من المنتجات المُعاد تدويرها تُستخدم في المصانع الكبرى داخل مصر في مدن العاشر من رمضان، السادس من أكتوبر، بدر، والسادات وأما قوالب الألومنيوم والمنتجات البلاستيكية، فتُصدّر إلى الصين والسعودية ودول أخرى شعارهم البسيط لكنه لافت صُنع في مصر من القمامة.
الحكومة: الجمع مسؤولية الأحياء وليس وزارة البيئة
رغم ضخامة المنظومة، إلا أن وزارة البيئة تؤكد أن جمع المخلفات ليس من اختصاصها المباشر، بل مسؤولية الأحياء والمحليات وتوضح د. ياسمين فؤاد، وزيرة البيئة، أن دور الوزارة يقتصر على وضع الخطط والدعم الفني، وليس التنفيذ مشيرة إلى خطة لإغلاق 42 مقلب قمامة خلال 6 أشهر، وأن القانون الجديد للمخلفات الجاري مناقشته سيحدد الأدوار بوضوح ويشجع الاستثمارات.
البرلمان يدخل على الخط
يقول المهندس طلعت السويدي، رئيس لجنة الطاقة والبيئة بمجلس النواب،في تصريحات سابقة إن القانون الجديد للمخلفات سيعالج تداخل الاختصاصات، ويوفر إطارًا تشريعيًا متكاملًا لتنظيم عمليات الجمع والنقل والتدوير، بما يتماشى مع التوجهات الرئاسية لإنهاء أزمة القمامة في مصر.
منظومة بعيون المجتمع.. احترام وشغف
بعيدًا عن الأرقام، تمتلك عزبة الزبالين نظامًا اجتماعيًا فريدًا قائمًا على الاحترام والعمل الجماعي وداخل الأزقة، تتوزع الأدوار بانتظام: النساء تغسل، الصبية يفرزون، الرجال ينقلون وتقول إحدى العاملات أن الناس بتشوفنا بنلعب في الزبالة، بس إحنا بنخلق منها حياة.
القمامة في مصر.. أرقام ودلالات
تنتج مصر سنويًا نحو 90 مليون طن من
، منها 20 مليون طن من القمامة المنزلية في القاهرة، الجيزة، القليوبية، والإسكندرية مسؤولة عن حوالي 47% من الإنتاج اليومي، حيث إن القاهرة وحدها تنتج 16 ألف طن يوميًا، منها: 40% مواد عضوية،40% مواد قابلة لإعادة التدوير، 20% غير قابلة للاستخدام مثل الكيماويات والمخلفات الطبية.
رأي الخبير: إدارة القمامة مورد اقتصادي لاعبء
قال الدكتور حمدي عرفة، أستاذ الإدارة المحلية بالجامعة الدولية للتكنولوجيا والمعلومات، إن ملف القمامة في مصر من الملفات المزمنة التي لم تُحل جذريًا منذ عقود، رغم أثرها الكبير على الصحة والبيئة والمظهر الحضاري، مضيفًا: "إدارة القمامة لا يجب أن تقتصر على الجمع والنقل، بل تبدأ من الفرز من المصدر، مرورًا بسلاسل لوجستية حديثة، وتنتهي عند مصانع تدوير تخلق فرص عمل وتدر دخلًا على الدولة.

وأكد أن ضعف التنسيق بين الجهات الحكومية، وعدم إشراك القطاع الخاص والمجتمع المدني، يُعد من أبرز أسباب الأزمة كما دعا إلى خريطة قومية للاستثمار في مصانع التدوير، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، مع حوافز ضريبية وتمويلية للمستثمرين واختتم تصريحه قائلًا “القمامة ليست عبئًا بل موردًا اقتصاديًا إذا أحسنا إدارتها”.
من القاع إلى القمة
و أكد الدكتور حمدي أن عزبة الزبالين ليست مجرد حي فقير يعاني من القمامة، بل ورشة ضخمة تدور عجلتها بلا توقف و كل قطعة مخلفات تمر من هنا تخضع لعملية تقييم وفرز وتدوير، لتتحول إلى منتج يُباع أو يُستخدم أو يُصدّر وفي قلب هذه العزبة، وبين أكوام النفايات، تختبئ قصة نجاح مصرية خالصة فالذهب هنا لا يُستخرج من المناجم.. بل من القمامة.