منظومة الإنذار المبكر للكوارث ثغرات بين التكنولوجيا والواقع
في مساءٍ شتوي عاصف، اجتاحت مياه السيول شوارع مدينة رأس غارب، جرفَت السيارات وأغرقت المنازل. قبلها بساعات، أصدرت هيئة الأرصاد الجوية تحذيرًا من أمطار غزيرة محتملة، لكن معظم الأهالي لم يسمعوا به. تكررت القصة في أكثر من محافظة، لتطرح سؤالًا ملحًّا: هل تعمل منظومة الإنذار المبكر في مصر بكفاءة؟ أم أن التحذير لا يزال حبيس الشاشات؟
منظومة طموحة على الورق
في عام 2023 أعلنت الحكومة المصرية عن إطلاق مشروع لتطوير المنظومة الوطنية للإنذار المبكر بالكوارث، بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) ومركز البيئة والتنمية للإقليم العربي وأوروبا (CEDARE).
يهدف المشروع إلى رصد الأخطار المناخية مثل السيول والعواصف الترابية وموجات الحرارة، وتحذير الجهات التنفيذية والسكان مسبقًا لتقليل الخسائر.
لكن رغم هذا الجهد، لا تزال الشكاوى تتكرر من تأخر وصول التحذيرات أو ضعف فعاليتها في بعض المناطق، ما يشير إلى فجوة بين التكنولوجيا الحديثة في غرف الرصد، والواقع الميداني في القرى والمدن.
منظومة الإنذار المبكر والتغيرات المناخية تربك التنبؤات
وعن منظومة الإنذار المبكر، قال الدكتور محمود شاهين، مدير مركز التحاليل والتنبؤات بالهيئة العامة للأرصاد الجوية، إن التغيرات السريعة التي تحدث في حالة الطقس يتم رصدها أولًا بأول على مدار اليوم، مؤكدًا أن التغيرات المناخية العالمية، أصبحت تتسبب في تحولات حادة ومفاجئة في أنماط الطقس، ما يؤدي أحيانًا إلى ظهور حالات من عدم الاستقرار الجوي بشكل أسرع من المتوقع.
وأوضح شاهين، أن ما شهدته بعض المناطق، مثل شرق القاهرة وعدة محافظات أخرى من سقوط أمطار مفاجئة، جاء نتيجة تطور منخفض جوي في طبقات الجو العليا بالتزامن مع ارتفاع نسب الرطوبة، مضيفًا أن الهيئة أصدرت تحذيرات جوية على مدار الساعة لمواكبة تلك التغيرات السريعة، بالاعتماد على صور الأقمار الصناعية وبيانات الرادار.
وعن دقة توقعات الهيئة، قال شاهين: «العالم كله يشكو من التغيرات الحادة والسريعة في حالة الطقس، وهذا يجعل من الصعب تحقيق دقة مطلقة في التنبؤات. أصبحنا نتابع حالة الجو على مدار الساعة وليس اليوم فقط، فهذه هي الثقافة الجديدة التي فرضتها التغيرات المناخية الحديثة».
وأكد شاهين، أن البلاد لن تشهد تغيرات كبيرة خلال الأيام المقبلة، داعيًا المواطنين إلى متابعة النشرات الرسمية التي تصدرها الهيئة بانتظام.
السيول بين البحر والمطر… رؤية خبير موارد مائية
من جهته، أوضح الدكتور أحمد فوزي، خبير الموارد المائية ، أن هناك نوعين من الفيضانات: فيضانات ناتجة عن ارتفاع مستوى مياه البحر، وأخرى تنتج عن سقوط الأمطار الغزيرة في المناطق الجبلية أو المرتفعة وانحدارها نحو الوديان والمنخفضات.
وأضاف في تصريح خاص، أن مصر تمتلك شبكة طبيعية من الممرات المائية القديمة (الوديان) التي تسلكها السيول بشكل متكرر، مشيرًا إلى أن عملية التنبؤ بالأمطار والسيول تعتمد على بيانات الأقمار الصناعية عالية الدقة، القادرة على تقدير كميات الأمطار ومعدلات تساقطها بدقة كبيرة.

«التنبؤ يعتمد على كمية الأمطار، وطبيعة الصخور والتربة، واتجاه انحدار الأرض، وهي العوامل التي تحدد ما إذا كانت المياه ستتسرب إلى الأرض أو تتجمع لتشكل سيلًا قويًا».
ويشير إلى أن الجهات المعنية تضع سيناريوهات للتحكم في مسارات السيول بحيث تُوجه المياه إلى مناطق زراعية أو تُخزن في بحيرات دائمة لإعادة استخدامها في الري أو توليد الكهرباء، موضحًا أن هذه الخطط تساعد أيضًا في حماية المنشآت العمرانية والخدمية من أخطار الغمر بالمياه.
لكن العقبة الأكبر، بحسب فوزي، هي ارتفاع التكلفة المالية لمشروعات الحد من مخاطر السيول.
«لو كانت هناك ميزانية كافية، يمكننا إنشاء مصارف مائية وشبكات تخزين تعيد استخدام المياه الناتجة عن السيول، لكن الكلفة عالية جدًا وميزانية الدولة لا تتحملها بالكامل».
وأضاف أن مصر تفقد سنويًا كميات ضخمة من المياه التي تصب في البحر المتوسط والبحر الأحمر وخليج العقبة دون استغلال، مؤكدًا أن استثمار هذه المياه يتطلب تمويلًا ضخمًا وبنية تحتية قوية تسمح بتخزينها واستخدامها ضمن خطط التنمية المائية والزراعية.
التكنولوجيا وحدها لا تكفي
تؤكد خبرات السنوات الأخيرة أن امتلاك التكنولوجيا لا يعني بالضرورة الوصول الفعال للمعلومة إلى المواطن، ففي بعض المناطق، لم يتلق الأهالي التحذيرات إلا بعد وقوع الضرر.
يقول أحد سكان رأس غارب:«سمعنا إن في مطر، لكن محدش قال لنا إن الشوارع هتغرق… التحذير وصل بعد ما المياه دخلت البيوت».
وأشار خبير البيئة مجدي علام إلى أن الفجوة بين التحذير العلمي والتطبيق الميداني هي جوهر المشكلة، فبينما تصدر الهيئات الرسمية بياناتها عبر مواقع إلكترونية وصفحات التواصل الاجتماعي، يبقى التحدي الحقيقي هو ضمان وصول التحذيرات بوضوح وسرعة لكل مواطن، خصوصًا في القرى والمناطق النائية.
نحو إنذار فعال… لا مبكر فقط
رغم الخطوات الإيجابية التي اتخذتها الدولة في تطوير منظومة الإنذار المبكر، يظل نجاحها مرتبطًا بقدرتها على دمج العلم بالتواصل، وتحويل التحذير من بيانات رقمية إلى رسالة إنسانية تنقذ الأرواح والممتلكات.
فالتحذير ليس مجرد رقم يصدر من محطة أرصاد، بل رسالة حياة يجب أن تصل في وقتها وباللغة التي يفهمها الناس، وقد قطعت مصر شوطًا كبيرًا في الرصد والتحليل، لكنها ما زالت تحتاج إلى خطوة إضافية نحو الناس… قبل أن يفوت الأوان.
منظومة الإنذار المبكر في مصر.. بالأرقام
2023: إطلاق المشروع الوطني للإنذار المبكر بالكوارث بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) ومركز البيئة والتنمية للإقليم العربي وأوروبا (سيداري).
• 3 أنواع رئيسية من الكوارث المناخية تتعامل معها المنظومة: السيول، العواصف الترابية، وموجات الحرارة الشديدة.
• أكثر من 80 محطة أرصاد جوية موزعة على المحافظات لرصد التغيرات المناخية لحظة بلحظة.
• 6 محافظات تُعد الأكثر تعرضًا لمخاطر السيول: البحر الأحمر، جنوب سيناء، أسوان، سوهاج، قنا، والمنيا.
• 24 – 48 ساعة هي المدة الزمنية المستهدفة لإصدار التحذير قبل وقوع الخطر.
• التحدي الأكبر: ارتفاع التكلفة المالية اللازمة لإنشاء مصارف مائية وتخزين مياه السيول لاستخدامها في الزراعة أو الشرب.