المجلس الأعلى للثقافة.. منبر المثقفين أم جهاز بيروقراطي؟
منذ تأسيسه قبل أكثر من أربعة عقود، ظل المجلس الأعلى للثقافة يُقدَّم باعتباره "العقل المفكر" للدولة المصرية في مجالات الفكر والفن والآداب، وبيتًا يحتضن المثقفين والمبدعين، وصوتًا للحوار الوطني حول قضايا الثقافة والهوية.
لكنّ هذا الدور الذي صيغت حوله الصورة المثالية، يبدو أنه لم يعد حاضرًا اليوم كما كان في السابق، وفق ما يؤكده عدد من المثقفين الذين يرون أن المجلس فقد بوصلته الفكرية وتحول تدريجيًا إلى جهاز إداري يُدار بعقلية بيروقراطية، يغلب عليه طابع الشللية وتكرار الأسماء في الفعاليات والجوائز، مع غياب شبه تام للتواصل مع المبدعين في المحافظات.
فبينما يرى البعض أن المجلس بات مجرد مبنى يضم ندوات محدودة الحضور لا تصل إلى الشارع، يؤكد آخرون أنه أصبح ساحة مغلقة يدور فيها نفس الوجوه والمصالح، بدلًا من أن يكون منبرًا مفتوحًا للحوار والإبداع والتجديد الثقافي.
وفي هذا التحقيق، تستعرض إيجبتك شهادات مجموعة من الشعراء والمبدعين الذين عبّروا بجرأة عن رؤيتهم لأداء المجلس، وموقعه في المشهد الثقافي الراهن.
شاعر بدأ من التسعينيات.. والمجلس بالنسبة له "كافيتريا فقط"
يقول الشاعر ماهر مهران، الذي بدأ مسيرته الأدبية منتصف التسعينيات، إن علاقته بالمجلس الأعلى للثقافة لم تكن يومًا وثيقة، موضحًا أن ارتباطه بالمجلس اقتصر على زياراته لكافيتريا دار الأوبرا حيث يلتقي أصدقاءه، دون أن يكون للمجلس أي دور فعلي في دعم المبدعين أو التواصل معهم.
ويضيف مهران في تصريح خاص لـ إيجبتك: "المجلس تراجع تمامًا عن أداء دوره الحقيقي كمؤسسة فكرية ومنبر للمثقفين، إصداراته ضعيفة وغير منتظمة، ولا تحظى بتوزيع جيد، مما أفقدها تأثيرها في الساحة الثقافية."
"الشللية تسيطر على الندوات"
ويشير مهران إلى أن سياسات المجلس، سواء في جوائز الدولة أو الندوات، باتت تعاني من التكرار والشللية، مؤكدًا أن الأسماء المشاركة في الفعاليات هي نفسها منذ أكثر من عشر سنوات، وكأن مصر لا تضم سوى عشرين أديبًا فقط.
> "هناك أدباء كبار ومبدعون حقيقيون لا تتم دعوتهم لأي فعاليات، مما جعل الندوات باهتة وبلا جماهير، بينما في الصعيد مثلًا نجد فعاليات يحضرها جمهور يفوق مئات المرات ما نراه في المجلس."
"سياسات الجوائز ضد الإبداع"
وانتقد مهران بشدة آلية منح الجوائز داخل المجلس، معتبرًا أنها تفتقر إلى العدالة والشفافية، إذ يسمح لموظفين إداريين بالتصويت على الجوائز رغم عدم امتلاكهم خبرة نقدية أو إبداعية كافية، متسائلا: "كيف لموظف إداري أن يصوت على جائزة إبداع؟! هذا ضد روح الثقافة تمامًا."
كما لفت إلى تكرار الأسماء نفسها في اللجان والجوائز، دون منح فرص حقيقية للمبدعين الجدد، مما جعل المجلس، بحسب تعبيره، يفقد دوره الثقافي الحقيقي ويصبح "مجرد كافيتريا داخل دار الأوبرا".
محمد عبلة: الأعلى للثقافة تحول إلى جهاز إداري
الفنان التشكيلي محمد عبلة يرى أن المجلس الأعلى للثقافة انشغل خلال السنوات الأخيرة بالجوانب الإدارية على حساب رسالته الفكرية والإبداعية.
وقال عبلة في تصريح لـ إيجبتك: "المجلس تحول إلى جهاز إداري وبيروقراطي بسبب القائمين عليه، بينما المفترض أن يركز على المثقفين لا على المحسوبية والعلاقات الشخصية."
وأضاف أن غياب الرقابة الحقيقية على أداء المؤسسات الثقافية جعل الساحة تعاني من الركود، مؤكدًا أن المطلوب هو أن يكون المجلس مؤسسة فكرية فاعلة تُعنى بالمبدعين لا بالإجراءات.
ماجد أبادير: المشهد الثقافي يدور في دائرة مغلقة
أما الشاعر ماجد أبادير، فيرى أن المؤسسات الثقافية الرسمية، وعلى رأسها المجلس الأعلى للثقافة، فقدت كثيرًا من روحها وأصبحت تدور في دائرة مغلقة تخدم أسماء بعينها دون أن تصل رسالتها إلى الشارع أو المدرسة أو الجامعة، "الناس بتدعي ناس، وناس بتكرم ناس، اللي على المنصة بقوا مستمعين والمستمعين بقوا على المنصة!"
ويضيف أبادير: "الثقافة في مصر أصبحت حبيسة القاعات المغلقة، والأنشطة لا يعرف بها الجمهور لأن لا توجد دعاية حقيقية أو خطة تواصل، حتى المسابقات والجوائز لا نسمع عنها إلا بعد إعلان نتائجها."
"جوائز بلا شفافية.. وغياب للدعاية"
انتقد أبادر غياب الشفافية في منح الجوائز، مشيرًا إلى أن المسابقات تُدار دون إعلان كافٍ أو وضوح في آليات التحكيم، "بشوف نتيجة جائزة الدولة أو جائزة المجلس، بس محدش أعلن عنها قبل كده! فين الشفافية؟ فين التقييم الحقيقي؟"
كما تحدث عن ضعف الدعاية لأنشطة المجلس ومعرض القاهرة الدولي للكتاب، مؤكدًا أن غياب الخطط الإعلامية جعل الجمهور لا يعرف مواعيد الفعاليات، وقال: "الناس الكبيرة ما عندهاش إنترنت، ليه ما نطبعش البرامج زي زمان؟ المعرض مش شغلنا لنفسنا، إحنا بنشتغل للناس."
الثقافة يجب أن تصل إلى الشارع
ويطالب أبادر بأن تتعاون المؤسسات الثقافية مع وزارتي التعليم والتعليم العالي والأزهر لنشر الوعي الثقافي الحقيقي، قائلًا: "يوم ما نحس إننا بنشتغل للناس مش لأنفسنا، نقدر نقول إننا مؤسسات ثقافية حقيقية، مش مجرد أجهزة إدارية."
عزت الطيري: المجلس عاجز عن احتواء الأدباء
الشاعر عزت الطيري يرى أن المجلس الأعلى للثقافة لا يؤدي دوره المطلوب، وأنه عاجز عن احتواء الأدباء والمثقفين في مصر.
وقال في تصريح لـ إيجبتك: "من المفترض أن يكون المجلس بيتًا لكل المبدعين، لكنه اليوم كيان عاجز، يحتاج إلى تطوير هيكلي وإداري حتى يعود فاعلًا في المشهد الثقافي."
وأضاف الطيري أن الجوائز التي يمنحها المجلس أصبحت تعتمد على العلاقات أكثر من الكفاءة والاستحقاق، موضحًا أنه تقدم للجائزة خمس مرات دون جدوى، رغم وصوله للقائمة القصيرة في إحدى الدورات، "النتائج محسومة مسبقًا، والجائزة في الغالب تذهب لمن لهم حظوة أو معرفة داخل المجلس."
المجلس فقد روحه الثقافية
تتقاطع شهادات الشعراء والفنانين في نقطة جوهرية واحدة: أن المجلس الأعلى للثقافة فقد روحه الثقافية الحقيقية، وتحول من منبر للمثقفين إلى جهاز إداري جامد.
فبين تكرار الأسماء في الفعاليات، واحتكار الجوائز، وضعف التواصل مع الجمهور، يظل السؤال مطروحًا:
هل يمكن للمجلس الأعلى للثقافة أن يستعيد مكانته كبيت للفكر المصري ومنصة للحوار والإبداع، أم سيبقى أسير البيروقراطية والشللية والعلاقات الشخصية؟