فوضى الإعلام المدفوع.. الأمن القومي في مواجهة من «يدفع أكثر»
«إيجيبتك» يخوض تجربة واقعية ويكشف أسعار البرامج المؤجرة على بعض القنوات
منبر الحقيقة يتحوّل إلى سوق للإيجار.. داخل عالم الإعلام المدفوع
كيف تحوّلت بعض القنوات إلى "بازار إعلامي"؟
البرامج المؤجرة تحولت إلى ملاذ أمن للباحثين عن الشهرة ، في زمنٍ بات فيه الظهور الإعلامي وسيلة للنفوذ وتحقيق المكاسب المادية، تحوّل بعض شاشات القنوات الفضائية إلى ساحات "مفتوحة للتأجير"، تُباع فيها دقائق البث لمن يدفع أكثر، بغضّ النظر عن المضمون أو المهنية أوالأمن القومى للبلاد، وبينما يفترض أن تكون القنوات الإعلامية منابر لنقل الحقيقة وتنوير الرأي العام، أصبحت في بعض الحالات منصات تجارية تُدار بعقود مالية بحتة، دون أي التزام بمعايير المهنة أو مواثيق الشرف الإعلامي.
أسعار البرامج المؤجرة
ببساطة "ادفع.. لتظهر على الشاشة"، لتتحوّل الكاميرا من أداة توثيق وبحث عن الحقيقة، إلى وسيلة ترويج للأشخاص والمصالح الخاصة وفي غياب الرقابة الجادة، صار بإمكان أي شخص مهما كانت خلفيته أن يقدم برنامجًا باسمه، ويستضيف من يشاء، بل وأن يستخدم تلك المساحة لاحقًا للحصول على عضوية نقابة الإعلاميين
وفي هذه السطور يفتح "إيجبتك" بفتح ملف "فوضى الإعلام المدفوع"، لنعرف عن قرب كيف أصبح تأجير المساحات الإعلامية ظاهرة تتسلل إلى بعض القنوات الفضائية في مصر، وما يترتب عليها من تجاوزات مهنية وقانونية تهدد مصداقية المشهد الإعلامي برمّته.
في تجربة واقعية، قامت محررة “ إجيبتك” بالتواصل مع بعض شركات الإنتاج التي تتعامل مع قنوات فضائية لتقديم.البرامج المؤجرة
وقد عرضت إحدى الشركات علينا تقديم برنامج على قناة "الحدث"، حيث تم تحديد موعد للمقابلة الأولية، وأبلغونا بأن تكلفة نصف ساعة من البث صباحًا (بمعدل 4 حلقات شهريًا) تبلغ 25 ألف جنيه، بينما تكلفة الحلقة الواحدة نصف ساعة فقط تبلغ 4000 جنيه.
أما بالنسبة لقناة "الشمس"، فتواصلنا مع شركة إنتاج أخرى،أوضحت الأسعار على النحو التالي: نصف ساعة في الساعة 10 أو 11 صباحًا: 3500 جنيه ونصف ساعة في الساعة 12 ظهرًا أو 1 مساءً: 4000 جنيه ونصف ساعة في الساعة 4 عصرًا: 5000 جنيه.
وخلال التواصل، تم سؤالنا عمّا إذا كنا قدمنا برامج سابقة، وعندما أجبنا بالنفي، استفسر المسؤول عما إذا كنا أعضاء في نقابة الصحفيين، وبعد التأكد من ذلك، طلب الحضور إلى مقر القناة في اليوم التالي ومعنا صورة بطاقة الرقم القومي لاستخراج تصريح دخول مدينة الإنتاج الإعلامي.
رأي خبير إعلامي: ما يحدث "كارثة إعلامية"
علّق الدكتور حسام النحاس، أستاذ الإعلام بجامعة بنها، على هذه الظاهرة، مؤكدًا أن تأجير المساحات الإعلامية في بعض القنوات الفضائية – خاصة من التصنيف الثاني والثالث – يُعد مخالفة صريحة للقانون، وتحديدًا القانون رقم 180 لسنة 2018 المنظم للصحافة والإعلام، فضلًا عن تعارضه مع أخلاقيات المهنة وضوابط العمل الإعلامي.

وأكد النحاس، " أن ما يحدث حاليًا هو كارثة إعلامية بكل المقاييس ويتم تأجير برامج أو فقرات دون أي ضوابط أو شروط، ولا يُسأل الشخص عن محتوى البرنامج، أو خبراته السابقة، أو مؤهلاته، أو حتى نوع وطبيعة البرنامج والأمور تُدار بطريقة عشوائية، لا تتجاوز كونها عقودًا مالية تُبرم مقابل البث، ثم يُترك للشخص تقديم ما يشاء مضيفاً أن هذه الفوضى تُشكّل خطرًا على المشهد الإعلامي برمّته، إذ يتم تحويل الشاشة إلى منصة لعرض الإعلانات والدعاية والمحتوى غير المنضبط، دون وجود رقابة مهنية حقيقية، مما يسيء إلى صورة الإعلام المصري".
شغف الشهرة.. وتحقيق مصالح شخصية
وأشار الدكتور النحاس، إلى أن كثيرًا ممن يظهرون على هذه القنوات لا علاقة لهم بالإعلام من الأساس، بل يسعون إلى الشُهرة وتحقيق مصالح شخصية أو مادية، مثل تحسين المكانة الاجتماعية، أو البحث عن فرص للزواج أو النفوذ، مؤكدًا أن بعضهم لا يحمل حتى مؤهلات عليا أو شهادات جامعية.
وأوضح أستاذ الإعلام، أنه للأسف، نجد بعض الأشخاص ممن لديهم مشاكل في النطق أو لا يمتلكون الحد الأدنى من مهارات الظهور الإعلامي، يُسمح لهم بالظهور فقط لأنهم يدفعون المال وهذا أمر خطير ويجب التصدي له.
الباب الخلفي لدخول النقابة
وحذر النحاس، من أن هذه البرامج المدفوعة أصبحت تُستخدم كـ "باب خلفي" للانضمام إلى نقابة الإعلاميين، موضحًا أن بعض الأشخاص يقومون بإبرام عقد برنامج مع القناة، ومن خلال هذا العقد يحصلون على رقم تأميني، مما يتيح لهم التقدم للنقابة والحصول على العضوية أو ترخيص مزاولة المهنة، رغم عدم امتلاكهم للمؤهلات أو الخبرة المطلوبة.
واختتم أستاذ الإعلام الحديث بالقول، الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، بل إن من يقوم بتأجير مساحة البرنامج يقوم كذلك بتأجير فقراته للضيوف مقابل المال، فيتحول البرنامج إلى وسيلة لتحقيق أرباح شخصية دون أي قيمة مهنية أو إعلامية ويجب على المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام ونقابة الإعلاميين التدخل الفوري لوضع حد لهذه الفوضى وتقنين الإجراءات.
ضبط الأداء الإعلامي مسؤولية مشتركة
بينما قال الإعلامي جمال الشاعر، إن ضبط الأداء الإعلامي مسؤولية مشتركة بين المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام ونقابة الإعلاميين، مؤكدًا أن النقابة يجب أن يكون لها دور فعّال في تطوير المهنة وحماية معاييرها، بينما يتولى المجلس الأعلى مهمة التنسيق والمتابعة وضبط المحتوى الإعلامي ليكون «محترمًا، مفيدًا، ومستوفيًا للشروط المهنية والأخلاقية».

وأضاف الشاعر، أن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام يمنح حاليًا تراخيص للجهات التي تُنشئ منصات على وسائل التواصل الاجتماعي، مشيرًا إلى ضرورة إنشاء مرصد إعلامي لمتابعة البرامج والمحتوى غير المناسب، أو الذي يتضمن تحريضًا على التمييز أو العنف أو الاستغلال أو نشر القيم الهدّامة.
استراتيجية لنهضة إعلامية
وأوضح، أن وجود خبراء في مختلف التخصصات بات أمرًا ملحًا لوضع تصورات شاملة لبناء استراتيجية كبيرة لنهضة إعلامية حقيقية، تُمكّن من وجود إعلام مصري قوي قادر على المنافسة محليًا وإقليميًا ودوليًا وإن تطوير الإعلام لا بد أن يرتكز على أفكار وآليات جديدة لتحسين الأداء المهني، وتمكينه من أداء مهامه في التنمية والتوعية والأمن المعلوماتي، خاصة في ظل ما وصفه بـ«الغزو الثقافي والاستهداف والإغراق المعلوماتي» الذي تشهده المنطقة.
وسائل التواصل الاجتماعي
وأكد الشاعر، أن المتغير الجديد المتمثل في وسائل التواصل الاجتماعي يمثل «كارثة إعلامية» يجب مواجهتها بوعي واستراتيجيات مدروسة، لافتًا إلى أن منصة "تيك توك" تخضع لسيطرة إسرائيلية، حيث – بحسب قوله – يمتلكها اثنان من كبار رجال الأعمال الصهاينة، روبرت مردوخ وراي إليسون، اللذان اشتريا نحو 90% من أسهم ورأس مال المنصة العالمية الشهيرة، خاصة في الولايات المتحدة والصين.
حروب المعلومات
ونقل الشاعر، عن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قوله: «لن نستخدم الأسلحة الفتاكة أو العسكرية، ولكننا سنبدأ بأسلحة أكثر فتكًا وحداثة»، في إشارة إلى حروب المعلومات والتأثير عبر السوشيال ميديا، موضحًا أن منصّتي "تيك توك" و"إكس" أصبحتا – وفق ما ذكر – «تحت السيطرة».
العالم العربي والإسلامي يواجه تحديًا
واختتم جمال الشاعر حديثه بالتأكيد على أن العالم العربي والإسلامي يواجه تحديًا مرعبًا يستوجب الصحوة والتنسيق الجماعي، مشددًا على أن الإعلام الوطني الواعي هو خط الدفاع الأول في معركة الوعي، والضمانة الحقيقية لحماية الهوية والثقافة في مواجهة الغزو المعلوماتي العالمي.