رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

فخ الجهاد الرقمي.. عندما تتحول التكنولوجيا إلى أداة لتفجير الوعي

الجهاد الرقمي
الجهاد الرقمي

في زمنٍ تحولت فيه الشاشات إلى ساحاتٍ للأفكار والمعارك، لم يعد التطرف بحاجةٍ إلى سلاحٍ أو حدودٍ فقد ظهر «المجاهد الرقمي» خلف شاشةٍ مضيئة، يضغط زرًّا ليبث فكرًا متطرفًا في ثوبٍ دينيٍّ مزيف.

تحت شعاراتٍ براقة ومقولاتٍ مقتطعة، تستغل الجماعات الإرهابية الفضاء الإلكتروني لتجنيد العقول وتزييف الوعي، مستخدمةً المحتوى كسلاحٍ جديد في حربٍ فكرية بلا دماء.

دار الإفتاء المصرية حذّرت من هذا الخطر الذي وصفه الدكتور هشام ربيع بأنه «أخطر أدوات التطرف في العصر الحديث»، مؤكدًا أن الإرهاب اليوم لا يحتاج إلى قنبلة أو بندقية، بل إلى «تغريدة» أو «فيديو» يزرع الكراهية باسم الدين.

وفي مواجهة هذا الخطر المتنامي، تبقى المعرفة والوعي خط الدفاع الأول لحماية العقول من فخّ «الجهاد الرقمي».

 

 

من الجبال إلى الجدار الزمني... كيف تحوّل الإرهاب إلى نسخة رقمية؟

 

في العقدين الأخيرين، لم يعد الإرهاب بحاجةٍ إلى معسكراتٍ أو أسلحةٍ أو مناطق نفوذ، انتقل من الجبال والصحارى إلى “التايم لاين” و"غرف التليجرام "، حيث يكفي الآن أن تمتلك اتصالًا بالإنترنت لتكون جزءًا من حربٍ فكرية شرسة تدور على مدار الساعة.

بعد الضربات الأمنية القاسية التي تعرّضت لها التنظيمات المسلحة في سوريا والعراق وليبيا، لجأت الجماعات المتطرفة إلى التحول الرقمي كخطة بديلة للبقاء.

فأنشأت مئات الحسابات والقنوات المغلقة التي تُعيد بث محتواها بلُغات مختلفة، وتستهدف فئات عمرية محددة، خاصة الشباب بين 16 و30 عامًا، مستخدمة أدوات بسيطة لكنها شديدة التأثير: مقاطع فيديو قصيرة، أناشيد جهادية، رسائل تحفيزية مغلّفة بلغة دينية حماسية.

 

تقرير دولي يكشف تصاعد "الجهاد الرقمي 

كشفت تقارير دولية حديثة أن ما يُعرف بـ«الجهاد الرقمي» أصبح أحد أخطر أدوات الجماعات المتطرفة في العصر الحديث، بعدما تحوّلت المنصات الإلكترونية إلى ساحات مفتوحة لتجنيد الشباب ونشر الفكر الإرهابي تحت شعارات دينية مضللة.

ووفقًا لتقرير «Global Terrorism Index 2025» الصادر عن مؤسسة Vision of Humanity، فقد سجّل تنظيم داعش وحده نحو 1,805 وفاة إرهابية خلال عام 2024، في وقتٍ أكدت فيه المؤشرات أن استراتيجيات التجنيد انتقلت بقوة إلى الفضاء الرقمي، عبر تطبيقات المراسلة المغلقة ومقاطع الفيديو القصيرة ومنصات التواصل الاجتماعي.

وأشار تقرير المفوضية الأوروبية لشؤون الهجرة والأمن الداخلي (RAN/European Commission) إلى أن التنظيمات الإرهابية تستهدف الفئة العمرية ما بين 15 إلى 30 عامًا عبر محتوى رقمي جذّاب يُخفي رسائل تحريضية متطرفة.

كما وثّقت تقارير وكالة الأنباء الأمريكية (AP) حالات اعتقال متعددة في أوروبا خلال عامي 2023 و2024 لمراهقين تبيّن أنهم تأثروا بخطاب التطرف الرقمي وتورطوا في التخطيط لعمليات عنف.

في المقابل، أوضح تقرير هيئة المحاسبة الحكومية الأمريكية (GAO) وجود فجوات واضحة في قدرات المنصات الإلكترونية على التعامل مع المحتوى المتطرف، مشيرًا إلى ضعف التنسيق التشريعي بين الشركات والحكومات في مواجهة التطرف عبر الإنترنت.

أما منظمة فريدوم هاوس (Freedom House)، فقد أكدت في تقريرها «حرية الإنترنت في مصر 2024» أن القيود المفروضة على الفضاء الرقمي تعيق الرصد والتحليل الشامل للخطاب المتطرف، وتزيد من صعوبة الوصول إلى البيانات الدقيقة حول حملات التجنيد الإلكتروني.

وحذر التقرير من أن غياب الأرقام الدقيقة لا يعني ضعف الظاهرة، بل يشير إلى تعقيد آليات الرصد وكتمان الجهات المتورطة، داعيًا إلى تعاون دولي لتطوير تشريعات تُلزم المنصات بالشفافية، إلى جانب إطلاق برامج توعية رقمية لحماية الشباب من الوقوع فريسة للخطاب المتطرف.

خبير أمني: الجهاد الرقمي لا يعتمد على القوة

قال الدكتور محمد محسن رمضان، مستشار الأمن السيبراني ومكافحة الجرائم الإلكترونية، إن ما يسمى بـ«الجهاد الرقمي» أصبح أحد أخطر الأسلحة الفكرية التي تستخدمها الجماعات المتطرفة في العصر الحديث، موضحًا أن "ساحات الحرب لم تعد في الميدان، بل انتقلت إلى شاشات الهواتف وعقول الشباب ".

وأضاف الخبير الأمني أن الجهاد الرقمي لا يعتمد على القوة، بل على التأثير النفسي والبرمجة الذهنية. الجماعات المتطرفة تستخدم خوارزميات التواصل الاجتماعي لتحديد الفئات الأكثر هشاشة واستهدافها بخطابٍ عاطفي متدرّج يبدأ من التعاطف الديني وينتهي بالتجنيد الفكري.

وأوضح أن هذه الجماعات توظف تقنيات الذكاء الاصطناعي والبوتات الذكية لبث محتوى موجه، وتستغل غرف الدردشة المشفّرة لتبادل الأوامر وتدريب العناصر الجديدة دون رقابة مباشرة.

وأشار خبير الأمن السيبراني إلى أن الخطر الحقيقي يكمن في غياب التنسيق بين المؤسسات الأمنية والتقنية والدينية، وهو ما يسمح لتلك الشبكات بالنمو في الظل.

واختتم تصريحه بالتأكيد على أن مواجهة الجهاد الرقمي تتطلب وعيًا وطنيًا شاملًا، وتعليمًا رقميًا للشباب، إضافة إلى شراكات قوية بين الدولة ومنصات التواصل لاكتشاف مسارات التجنيد مبكرًا قبل أن تتحول إلى واقع دموي.

وحذر من تصاعد ما يُعرف بـ«الجهاد الرقمي»، الذي أصبح أحد أخطر أدوات الجماعات المتطرفة في العصر الحديث، حيث تُستخدم المنصات الإلكترونية لتجنيد الشباب ونشر الفكر المتشدد تحت شعارات دينية مضللة.



الجماعات المتطرفة نجحت في تحويل الفضاء الإلكتروني


قال الدكتور هشام ربيع، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، إن ما يُعرف بـ«الجهاد الرقمي» أصبح أحد أخطر أدوات التطرف في العصر الحديث، مؤكدًا أنه يُستغل لتزييف الوعي وتجنيد العقول تحت شعارات مضللة تتستر بعباءة الدين.

وأضاف  أمين الفتوي في تصريح خاص أن الجماعات المتطرفة نجحت في تحويل الفضاء الإلكتروني إلى ساحة بديلة لنشر أفكارها، واستقطاب فئات الشباب من خلال محتوى عاطفي مُغلف بخطاب ديني مشوه، مشيرًا إلى أن دار الإفتاء تبذل جهودًا مكثفة لمواجهة هذا الخطر عبر المنصات الرقمية الرسمية، من خلال الردود العلمية والشرعية الرصينة، ونشر الوعي الديني الصحيح، وتفنيد المفاهيم المغلوطة التي يروجها المتطرفون باسم الدين.

وأكد أن الدار تعمل على تطوير أدواتها الرقمية للتفاعل الإيجابي مع الشباب، وتحقيق حضور فعّال في الفضاء الإلكتروني، بما يعزز الفكر الوسطي ويواجه دعاوى العنف والتكفير.

وأضاف أمين الفتوى أن الجهاد في الإسلام له ضوابط شرعية ومقاصد سامية ترتبط بحماية الإنسان وبناء الأوطان، وليس كما تصوره الجماعات المتطرفة أداةً للفوضى والدمار، مشددًا على أهمية رفع الوعي الرقمي لدى الشباب وتحصينهم فكريًا من الحملات الممنهجة التي تستهدف عقولهم عبر شبكات التواصل.

وفي ختام تصريحه، دعا الدكتور هشام ربيع إلى تكاتف المؤسسات الدينية والإعلامية والتعليمية لمواجهة مخاطر "الجهاد الرقمي "، معتبرًا أن الوعي والمعرفة هما خط الدفاع الأول عن الأوطان في مواجهة الإرهاب الإلكتروني.



تشريعات مكافحة الجرائم الإلكترونية 

أكد المحامي أحمد السيد الخبير القانوني أن التشريعات المصرية الحالية تملك الأساس القانوني الكافي لمواجهة ما يُعرف بـ«الجهاد الرقمي»، وهو النمط الجديد من التطرف الذي ينتشر عبر الفضاء الإلكتروني، لكنهم شددوا على ضرورة تطويرها لمواكبة الأدوات الحديثة التي تستخدمها الجماعات المتطرفة في التجنيد والتحريض عبر الإنترنت.

وأوضح  المحامي  في تصريح خاص أن قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، وقانون مكافحة الإرهاب رقم 94 لسنة 2015، إلى جانب تعديلات قانون العقوبات الخاصة بإساءة استخدام الدين، تشكّل جميعها منظومة قوية لمعاقبة كل من ينشر محتوى متطرفًا أو يحرض على العنف إلكترونيًا.

وأشاروا إلى أن أبرز التحديات تتمثل في غياب تعريف قانوني واضح لمصطلحات مثل «التطرف الرقمي» و«التحريض عبر الإنترنت»، وصعوبة تتبّع المحتوى المغلق والمشفّر الذي تستخدمه تلك الجماعات.

وطالب بإجراء تعديلات تشريعية جديدة تُدرج "لتجنيد الإلكتروني" و"التحريض الرقمي" ضمن الجرائم الإرهابية، وإنشاء وحدات قضائية متخصصة في الأدلة الرقمية.

وأكد المحامي أن موازنة الأمن القومي مع حرية الرأي تظل ضرورة أساسية في مواجهة هذا التهديد الحديث، حتى لا تتحول مكافحة التطرف إلى تقييدٍ لحرية التعبير المشروعة.


الجماعات المتطرفة تستخدم تقنيات "التحفيز النفسي"
حذّر خبراء علم النفس من تصاعد ظاهرة ما يسمى بـ«الجهاد الرقمي»، مؤكدين أنها تمثل أحد أخطر أشكال الغزو الفكري والنفسي الموجه ضد فئة الشباب، مستغلة حاجاتهم النفسية للانتماء والاعتراف الاجتماعي.

وقالت الدكتورة بسمة سعيد أخصائية نفسية ، إن الجماعات المتطرفة تستخدم تقنيات "التحفيز النفسي" عبر الفضاء الإلكتروني لاستقطاب الشباب، من خلال بث مشاعر البطولة الزائفة، وتوظيف الرموز الدينية بشكل مشحون بالعاطفة، مما يولد إحساسًا زائفًا بالهوية والانتماء.

وأضافت الأخصائية النفسية في تصريح خاص  أن المراهقين والشباب الذين يعانون من العزلة الاجتماعية أو ضعف التقدير الذاتي هم الأكثر عرضة للتأثر بمحتوى التطرف الرقمي، خاصة في بيئة افتراضية تُشعرهم بالقبول والتقدير الذي يفتقدونه في الواقع.

وأكدت أن الحل لا يكمن فقط في الرقابة الإلكترونية، بل في العلاج النفسي المجتمعي، عبر برامج دعم نفسي في المدارس والجامعات، وتوفير قنوات حوار آمنة تتيح للشباب التعبير عن أفكارهم ومشكلاتهم قبل أن يقعوا فريسة للتطرف.

وأشارت إلى أن "الجهاد الرقمي " يعتمد على آليات نفسية دقيقة مثل "غسل الدماغ "و"التطبيع التدريجي مع العنف "، داعية إلى تعاون مؤسسات التعليم والإعلام في بناء مناعة فكرية ونفسية لدى الأجيال الجديدة.



سلاح فكري ونفسي يُدار من وراء الشاشات
في النهاية، يتضح أن «الجهاد الرقمي» لم يعد مجرد مصطلح عابر في عالم الإنترنت، بل هو سلاح فكري ونفسي يُدار من وراء الشاشات، يستهدف العقول قبل الأوطان. تتقاطع فيه خيوط الدين المُحرّف مع التكنولوجيا الحديثة لتشكّل شبكة خفية من التأثير والتجنيد والاختراق الوجداني.

ومع إدراك المؤسسات الدينية والأمنية والتعليمية لخطورته، يبقى التحدي الحقيقي في تحصين الوعي الجمعي وبناء مناعة فكرية ونفسية لدى الشباب، تُحصّنهم من الوقوع في فخ الخطاب المتطرف المتخفي في ثوب "الحق ".

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء