رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الدقة والتكلفة.. مصر تدرس تعميم الجراحة «الروبوتية» في المستشفيات

الروبوت الجراحي
الروبوت الجراحي

 في ضوء التوجه العالمى لدمج التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في المنظومة الصحية، لم تبتعد مصر كثيرا عن هذا المجال، إذ تشهد تحولاً لافتاً مع دخول الروبوت الجراحي إلى عدد من المستشفيات الجامعية والخاصة، مما يمهّد لعصر جديد من الدقة الجراحية، وتقليل المضاعفات، وتسريع التعافي، ورغم التحديات المرتبطة بالتكلفة والتدريب، تُعد هذه الخطوة إنجازاً مهماً في مسيرة تطوير الرعاية الصحية في البلاد.

قصر العيني.. البداية الحقيقية للثورة الجراحية
في عام 2023، أعلنت جامعة القاهرة إدخال جهاز روبوت جراحي متطور إلى مستشفيات قصر العيني، بتكلفة بلغت نحو 45 مليون جنيه مصري. وبهذا، أصبح الجهاز ثالث جهاز من نوعه في مصر، والأول الذي يقدم خدماته مجانيًا للمرضى داخل منظومة الجامعات الحكومية.

 إدخال هذه التقنية يأتي في إطار خطة الجامعة لتحديث المنظومة الطبية ورفع كفاءة الخدمات المقدمة للمواطنين، إ تمثل الجراحة الروبوتية تمثل نقلة نوعية في الأداء الطبي؛ لأنها توفر دقة عالية تفوق قدرة اليد البشرية، وتقلل احتمالات الخطأ والنزيف ومضاعفات ما بعد العمليات.

 جهاز الروبوت، يتيح للجراحين التحكم الكامل في الأدوات الجراحية عن بُعد من خلال وحدة تحكم، مما يتيح إجراء عمليات دقيقة للغاية مثل استئصال الأورام وجراحات القلب والمسالك البولية والنساء والتوليد، باستخدام شقوق صغيرة جداً، وهو ما يقلل الألم ويسرّع التعافي.

عين شمس التخصصي.. أول جراحة روبوتية جامعية
من جهتها، أعلنت جامعة عين شمس في عام 2021 عن إجراء أول عملية جراحية باستخدام الروبوت الجراحي في مستشفى عين شمس التخصصي، لتصبح أول جامعة مصرية تُجري جراحة روبوتية ضمن القطاع العام.

وقال الدكتور هشام أنور، نائب مدير المستشفى، إن هذه التقنية تُستخدم في العديد من العمليات الحساسة، مثل استئصال المرارة والأورام الحميدة والخبيثة، وتتميز بدقة تصل إلى أجزاء من المليمتر، مما يقلل الأخطاء البشرية ويمنح الجراح رؤية ثلاثية الأبعاد لمنطقة الجراحة.

وأشار أنور، إلى أن تطبيق هذه التقنية في المستشفيات الجامعية يمثل خطوة استراتيجية لتدريب الكوادر الطبية المصرية على أحدث ما توصل إليه العالم في مجال الجراحة، مؤكداً أن “المستقبل الطبي في مصر يجب أن يرتكز على التكنولوجيا والتعليم المستمر.”

القطاع الخاص يدخل السباق


لم يغب القطاع الخاص عن هذا التطور، حيث أعلنت مجموعة مستشفيات كليوباترا في عام 2022 عن تدشين مركز للجراحة الروبوتية في القاهرة، ليكون من أوائل المراكز المتخصصة في هذا المجال على مستوى الشرق الأوسط.

وأوضح بيان صادر عن المجموعة، أن إدخال نظام الجراحة الروبوتية يأتي في إطار خططها لتقديم خدمات طبية متقدمة تواكب المعايير العالمية، مشيراً إلى أن هذه التقنية تتيح للمريض فترة إقامة قصيرة بالمستشفى، وتعافياً أسرع، وألماً أقل مقارنة بالجراحة التقليدية.

وبحسب  أحد الاستشاريين في المجموعة أكد أن “الروبوت الجراحي لا يحل محل الطبيب، بل يُعد أداة تعزز من قدرته وتقلل من مخاطر الجراحة”، مشدداً على ضرورة أن يتلقى الأطباء تدريباً دقيقاً ومعمّقاً قبل التعامل مع النظام، لضمان أعلى مستوى من الأمان والفاعلية.

المرضى بين الدهشة والأمل
رغم حداثة التجربة، بدأت شهادات المرضى الذين خضعوا للجراحة الروبوتية في الظهور داخل مصر. إحدى السيدات التي أجرت عملية لاستئصال ورم بالرحم في مستشفى خاص بالقاهرة، قالت إنها شعرت بالدهشة حين أبلغها الطبيب أن من سيُجري الجراحة هو “روبوت”، لكنها وافقت بعد شرح دقيق للفوائد. وتضيف:

“كنت متوترة في البداية، لكن بعد العملية شعرت براحة لم أتوقعها. لم أحتج إلى البقاء في المستشفى سوى ليومين فقط، وعدت إلى عملي بعد أسبوع.”

تجربة أخرى في مستشفى جامعي أظهرت نتائج مشابهة، إذ أكد مريض خضع لجراحة روبوتية في المسالك البولية أنه لم يشعر بألم شديد بعد العملية، وأنه تمكن من المشي خلال 24 ساعة فقط.

التحديات.. بين التكلفة والتدريب
ورغم النجاح الأولي، إلا أن التحديات ما زالت كبيرة، وبحسب تقديرات غير رسمية، تبلغ تكلفة الجهاز الواحد من أنظمة الجراحة الروبوتية (مثل نظام Da Vinci) ما بين مليونين إلى ثلاثة ملايين دولار أمريكي، بالإضافة إلى تكلفة الصيانة الدورية وقطع الغيار التي تصل إلى مئات الآلاف سنويًا. كما يتطلب تشغيل الجهاز تدريباً معقداً للفريق الطبي، يشمل الجراحين والممرضين والفنيين.

الدكتورة منال المصري، أستاذة الجراحة العامة بقصر العيني، أكدت  أن “الروبوت الجراحي يمثل مستقبل الطب، لكنه يحتاج إلى رؤية شاملة لتطبيقه تدريجياً في المستشفيات الحكومية، مع توفير برامج تدريبية طويلة الأمد للجراحين الشباب؛ لأن التقنية وحدها لا تكفي دون تأهيل بشري متكامل.”

الدكتورة منال المصري، أستاذة الجراحة العامة بقصر العيني
الدكتورة منال المصري، أستاذة الجراحة العامة بقصر العيني

وأضافت، أن الاستثمار في التعليم والتدريب هو الضمان الحقيقي لتعميم استخدام هذه التكنولوجيا في مصر، مشيرة إلى أن إدخالها إلى الجامعات الحكومية هو خطوة مهمة نحو تحقيق العدالة في الحصول على الرعاية الصحية المتقدمة.

كما يجري التعاون بين بعض الجامعات المصرية ونظيراتها الأوروبية لإطلاق برامج تدريب مشتركة في مجال الجراحة الروبوتية، بهدف نقل الخبرة وتوطين التكنولوجيا داخل مصر.

وفي هذا السياق، قال الدكتور حسن جمال، نائب مدير مستشفى الشيخ زايد التخصصي، إن تقنية الروبوت الجراحي تُعد من أكثر التقنيات الطبية تطورًا وتعقيدًا في العالم، لكنها في الوقت نفسه مرتفعة التكلفة بشكل كبير، ولهذا فهي محدودة الوجود داخل مصر حتى الآن.

وأضاف ،أن هذه الأجهزة تُستخدم حاليًا في أماكن محددة مثل مستشفى عين شمس التخصصي، وتُجرى العمليات الجراحية الروبوتية على أيدي أساتذة جامعيين على مستوى مهني عالٍ للغاية ممن تلقوا تدريباً خاصاً على هذا النوع من الجراحات الدقيقة.

وأوضح الدكتور جمال، أن هناك تحركات داخل وزارة الصحة لتمهيد الطريق أمام إدخال هذه التكنولوجيا إلى المستشفيات الحكومية، مشيرًا إلى أنه عُقد اجتماع مؤخراً برئاسة معالي وزير الصحة الدكتور خالد عبدالغفار، بمشاركة عدد من الشركات الصينية والدكتور بيتر واجيه، مساعد الوزير للطب العلاجي، لبحث إمكانية تطبيق نظام الجراحة الروبوتية داخل مستشفيات وزارة الصحة.

وأشار، إلى أنه تمت زيارة ميدانية للمستشفى برفقة رئيس قسم الجراحة العامة الدكتور هادي الأصمر، حيث تم استعراض الإمكانيات والتحديات المرتبطة بتطبيق التقنية الجديدة، مشيرا إلى وزير الصحة أكد أن الوزارة تدرس حاليًا التكلفة المالية العالية لتلك الأنظمة ومدى قدرة الوزارة على تنفيذ المشروع على نطاق واسع، موضحاً أن الأمر يحتاج إلى مزيد من الوقت والدراسة الدقيقة قبل التنفيذ الفعلي.

واختتم الدكتور حسن جمال، حديثه متمنياً أن يشهد المبنى الجديد لمستشفى الشيخ زايد التخصصي إدخال تقنية الروبوت الجراحي قريباً، مؤكداً أن هذا التطور سيمثل نقلة نوعية في الخدمة الطبية المقدمة للمرضى داخل المستشفيات الحكومية.

المستقبل.. مصر على طريق الجراحة الذكية


مع تزايد التوجه نحو التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي في القطاع الصحي، يتوقع خبراء أن تنتشر الجراحة الروبوتية في مصر بشكل أوسع خلال السنوات المقبلة، خاصة مع دخول القطاع العسكري والمستشفيات التعليمية في هذا المجال.

وتشير تقديرات وزارة التعليم العالي والبحث العلمي إلى أن هناك خططاً لتزويد مستشفيات جامعية جديدة بأنظمة روبوتية متقدمة، في إطار مشروع قومي لتطوير الطب الجراحي الذكي، بما يتماشى مع رؤية مصر 2030 لتحسين جودة الخدمات الصحية.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء