آثار مصر الغارقة بين الواقع والمأمول.. حكاية مدينة كاملة لا يمكن استخراجها
مدن وأحياء كاملة مدفونة في مياه مدينة الإسكندرية، فالمدينة التاريخية العتيقة كما تضم مجموعة كبيرة من الآثار من حضارات مختلفة تمتلك ربما مجموعة أثرية مغمورة في مياه البحر الأبيض المتوسط، ربما لا تقل في عددها ولا أهميتها عن المجموعة الأثرية المترامية في المدينة التي تغيرت تضاريسها أكثر من مرة بسبب طبيعتها، فأجزاء كبيرة من شاطئ الإسكندرية قديمًا كانت في القديم جزءً من المدينة، ولطالما شهدت أحداثًا كبيرة ومهمة، وبفضل التغييرات المناخية أصبحت كل هذه الأحداث جزءً من الماضي.
وبشكل عام تعتبر منطقة أبو قير من المناطق الساحلية التراثية وقد نسجت حولهما الأساطير فيما روى عنهما المؤرخون والزوار من الإغريق والرومان والعرب وكانت المدينتان من المدن المتحفية التى كانت تضم آثار الغابرين الذين عمروهما وكانت هذه الآثار قائمة لكنها لم تتحد الزمن فوق الأرض.
هيراكليون مدينة غارقة تحت الماء
وقد وقعت مدينة هيراكليون على بعد حوالي 32 كم (20 ميل) شمال شرق الإسكندرية على البحر الأبيض المتوسط وتوجد بقاياها في خليج أبو قير، لكن بسبب سلسلة من الزلازل وأمواج التسونامي وارتفاع منسوب البحر أدت إلى تدميرها، وبحلول القرن الثامن الميلادي اختفت هيراكليون تماماً، لتبقى أطلالها اليوم على عمق عشرة أمتار فقط بخليج أبو قير، شاهدة على مدينة تجارية ودينية عظيمة كانت بوابة مصر للعالم القديم.
ووفقا لتصريحات صحفية سابقة للأثرى الدكتور عبد الرحيم ريحان، فأن جزء كبير من الآثار الغارقة يقع في الأساس في منطقة أبي قير، وتعود في الأصل إلى مدينتي هيراكليون ومينوتيس، وكانت المنطقة في العصور القديمة تسمي "كانوب" لوقوعها على أهم فروع النيل آنذاك، وكانت أهم تلك المدن مدينة هيراكليون التي كانت من أهم المواني المصرية في الفترة ما قبل مجىء الإسكندر وبناء الإسكندرية.
حصر آثار مصر الغارقة في مياه المتوسط
وطوال الوقت كان حلم استخراج آثار مصر الغارقة في مياه المتوسط يداعب الكثير من الأثريين المصريين، خاصة أن بعض الآثار تعرضت للنهب، ومن هنا جاء توجه مجلس الوزراء بإعداد قائمة لحصر الآثار الغارقة بخليج أبى قير التى يمكن استخراجها، وكذلك النظر فى وضع خطة لاستخراج تلك الآثار ووضعها فى المتاحف الخاصة بها لعرضها للسائحين، كما وجه أيضًا بوضع رؤية خلال شهر للمواقع السياحية التى تصلح كمواقع للغطس السياحى للإطلاع على الآثار الغارقة التي لا يمكن استخراجها.
وخلال الأيام الأخيرة بدأت وزارة السياحة والآثار تتلمس أول طرق استخراج الآثار المغمورة في مياه البحر الأبيض المتوسط، بعدما قامت بعملية انتشال ثلاث قطع أثرية ضخمة من أعماق البحر المتوسط بميناء أبو قير، ضمن أنشطة التراث الثقافي المغمور بالمياه.
وبحسب الوزارة في بيان صادر عنها، فأن الموقع الذي شهد انتشال القطع الأثرية منه، قد جرى فيه عملية رصد خلال أعمال المسح الأثري السابقة في غرب مدينة أبو قير، إذ لاتزال المنطقة تخبئ بين طياتها أسرارًا تكشف فصولًا جديدة من حضارة “مصر الغارقة” تحت مياه البحر المتوسط.
وأكدت أعمال المسح والدراسة أن الموقع يمثل مدينة متكاملة المرافق تعود للعصر الروماني، تضم مباني ومعابد وصهاريج مياه وأحواضًا لتربية الأسماك، فضلًا عن ميناء وأرصفة أثرية، ما يرجح أنه امتداد للجانب الغربي من مدينة كانوب الشهيرة، التي سبق اكتشاف جزء منها شرق المنطقة. كما تكشف الشواهد عن استمرارية حضارية عبر عصور متعددة تشمل المصري القديم، البطلمي، الروماني، البيزنطي، والإسلامي.
آثار مصر الغارقة واتفافية اليونسكو
الآثار المستخرجة حديثا بالتأكيد ليست الأولى، فقد سبق توجه ومبادرة مجلس الوزراء جهود من وزارة السياحة والآثار لاستخراج مجموعة من القطع الآثار المغمورة بالمياه، لكن حفظ تلك الآثار بطرق غير سلمية علمية جعل بعضها يتعرض للتلف، كما أن القطع الغارقة في المياه نفسها أصبحت عرضة للتلف نتيجة تلوث المياه بالمخالفات التي تؤثر على سلامة الآثار وعمرها، بجانب أن بعض الدراسات التي أجريت أكدت أن التقشر السطحي والشروخ والبقع والخشونة والإفرازات الحشرية والفقد في بعض الأجزاء والتنقيب والاستدارة من أبرز ملامح تلف القطع الأثرية، كما أظهرت نتائج التحليل بالأشعة السينية لعينات من قاعدة التمثال الغرانيتية ارتفاع نسبة كلوريد الصوديوم نتيجة عدم تعرض قاعدته لعمليات التحلية.
ووفقا للأثري محمد الكحلاوي رئيس جمعية اتحاد الأثريين العرب، فأن معاهدة اليونسكو للتراث الثقافي المغمور بالمياه، أكدت على ضرورة إعطاء الأولوية للمحافظة على التراث الثقافي المغمور بالمياه في موقعه الأصلي، على أن يسمح بانتشال القطع عندما يكون التراث مهدداً بالتعرض للضرر أو الدمار أو عندما تسهم استعادته في حمايته من النهب أو التضرر.