الروح لا تموت في مصر.. الحياة الموازية
المصري لم يحب الموت، بل كان يكرهه ويخشاه، لأنه أول طريق للنسيان، لذلك قام المصري القديم منذ فجر التاريخ بطقوس الغرض منها الحفاظ على الإنسان من النسيان.
يعتقد الكثيرون خطأ أن الإله أنوبيس هو إله الموتى، ولكن لا يوجد في الثقافة المصرية القديمة إله للموت، بل هو إله الجبانة، وهو المسؤول عن الحفاظ على الأجساد الميتة وحماية الجبانات.
الطقوس المصرية القديمة والذي عرفها الإنسان المصري منذ أكثر من 7 آلاف عام لا زالت متداولة لدي المصري المعاصر، اندثرت اللغة القديمة ونتهت الحضارة القديمة وتعاقبت على مصر دولا وتعلاضت للاحتلال أكثر من مرة، إلا أن الطقوس المصرية في الفرح والحزن لم تندثر على الرغم من تغيير مصر لديانتها مرة للمسيحية ومرة أخرى للإسلام، بل إنه تم تجاهل بعض التعاليم في الديانتين واتباع الطقس المصري القديم، وتطويع بعد العادات لتناسب ديانة المتوفي.
في البداية كان يتم دفن الميت في وضعية الجلوس تشبها بوضع الجنين في رحم الأم، إذ أنه عاد لرحم الأرض، بعد ذلك بدأت المقابر تتخذ شكل المصاطب حتى وصلنا لفكرة الهرم؛ والتي منها استوحيت القباب على المدافن والتي ترمز في مصر القديمة للسماء، فالقبة هي حصن الألهة نوت رمز السماء، وكأن روح المتوفي تتطلع من خلالها للسماء، ونجد القباب في العديد من المقابر في صعيد مصر والدلتا مثل قباب ضريح الإمام الشافعي بالقاهرة.
خوف المصري القديم من النسيان جعله يؤمن بفكرة الخلود، والعودة للحياة مرة ثانية ولذلك اهتم بالحفاظ على الجسد من التلف، فكان التحنيط حتى تعود الروح لنفس الجسد مرة ثانية ولا تتوه عنه.
الاهتمام بالجسد أيضا يظهر حاليًا في تنظيف الجسد جيدًا (الغُسل) وتجهيزه للكفن والذي يختلف ما بين الرجل والمرأة فمن الممكن تكفين الرجل بكفن بطبقة واحدة أما المرأة بثلاث طبقات، والكثير من المصريين يهتمون بشراء الكفن في حياتهم قبل الوفاة، وتتماس فكرة الغُسل مع فكرة التحنيط في احترام الجسد كوعاء للروح.
ويحرص المصريون حتى الآن على الدفن في مقابر العائلة على أرضه، وهذا يشبه مقابر الأسر في طيبة.
العديد طقس من الآف السنين:
في متحف التحنيط في القصر نجد النائحتين إيزيس ونفتيس عند رأس وقدمي تمارسان النواح عليه، وهذا الطقس المصري ظل ساريا حتى الآن تقلص كثيرا في الوقت الحالي حتى أن هناك بعض الأماكن في الصعيد تغرم من يحضر (معددة) نائحة مبلغا كبيرا من المال والنائحة أو (المعددة) كانت تحضر لكي تقوم بالصراخ والعويل على المتوفي وذكر محاسنة بشكل شعري موزون ومقفى، وبنبرة صوت معينة تزيد من وطأة الحزن، ولكل متوفي حسب سنه وجنسه عدودة خاصة به.
فمثلًا عند موت شاب بالغ قبل زواجه كانت المعددة تقول:
يا قبر جالك ولد زين
لايق في لف العمامة
إحياة نبينا الزين
ما تحاسبه يوم القيامة.
تستمر لالي العزاء لمدة ثلاثة ليال بعد الوفاة وينتهي طقس العزاء بعد غروب شمس اليوم الثالث، أما في بعض القرى في صعيد مصر كان يستمر العزاء أربعون يوما، وهذا في الزمن الذي كانت فيه الحركة صعبة وحتى يصل خبر الوفاة لباقي القرى، ويستعد المعزون للذهاب لعمل واجب العزاء أسابيع عديدة، حتى أن بعض الأثرياء كانوا يضعون (مشنات) بها بلح لكي يجد المسافر الفقير للعزاء ما يقتات عليه أثناء رحلته.
الاحتفال بأيام الخميس حتى الأربعين، والذكرى السنوية هي طقوس مصرية قدمة والغرض منها الحفاظ على ذكرى المتوفي من النسيان ولا يختلف في هذا المسلم أو المسيحي.
كان قديما يمنع أن يطبخ أي طعام في المنزل حتى لا يتم إشعال النيران والتي هي فأل سء بالنسبة للميت، لذلك كان أقارب المتوفي هم المتكفلين بإطعام عائلته وأحيانا يفعل هذا الجران لمدة أربعين يوما، ولكن هذه العدة تقلصت أيضا.
إكسر وراه قلة
بمجرد خروج المتوفي من المنزل كان يتم كسر وراه قلة أو الزير حتى لا تعود روحه وتترك الجثة، ذهب الطقس وظلت للجملة دلالة عل الذهاب بلا عودة.
حهناط أطعمة يجب على أهل المتوفي منعها لمدة عام مثل الأكلات ذات اللون الأخضر والمحشي والحلويات وغيرها من الأطعمة الدالة على الفرح، بل أن بعد القرى في الصعيد كانت تغالي في مظهر الحزن فيظلون ثلاثة أيام يأكلون مر (ملح أو خل) وأوشكت هذه العادات على الاندثار.
يتشابه طقس الزيارة في جميع ربوع مصر، حيث أخذ الفطائر المخبوز في المنزل (الشريك) أو قرص الرحمة، التي يتم توزيعها في المقابر على الفقراء حتى يحصل المتوفي على حسنات تعينه في رحلته للعالم الآخر، وهذا بخلاف زيارته أيام الأعياد.وتتشابه فكرة قرص الرحمة مع فكرة القرابين التي كانت تقدم قديما.
وكتابة آيات من القرآن أو أيات من الكتاب المقدس على المقابر تتشابه مع فكرة الكتابة في المقابر المصرية القديمة، حيث كانت الكتابة وقتها طقسا هاما بسببه يتم تعرف الروح على الجسد.
هذه الطقوس وأكثر التي يمارسها الإنسان المصري عبر العصور تخبرنا بحب المصري للحياة وكراهيته للموت، ومحاولة خلق حياة موازية للمتوفي في العالم الآخر