رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

من أيام محمد علي.. كيف تطورت الأغنية الوطنية لبناء الجيش المصري؟

حرب 6 أكتوبر
حرب 6 أكتوبر

الفن هو وسيلة المصريين للتعبير عن كل ما يمروا به من أفراح وأحزان واحتفالات ومناسبات، وومن الممكن اعتبار الفن والفولكلور هو نوع من التأريخ لما مر به المصريين عبر العصور.

في كل عام عند الاحتفال بـانتصارات أكتوبر تبدأ محطات الإذاعة والتلفزيون في إذاعة الأغاني الوطنية التي تحتفي بالنصر، وحب الوطن، وأصدق هذه الأغاني التي تم إنتاجها بعد العبور مباشرة؟ واحتفت هذه الأغاني بالمقاتل المصري المستعد بالتضحية بنفسه في سبيل وطنه.
 

محمد علي وبناء الجيش المصري

جاء عصر محمد علي والذي كان يحكم بإسم الدولة العثمانية، وكانت جنسيته ألبانيا، إلا أنه كان يحمل حلما خاص بالاستقلال بمصر، وحكمها حكم ذاتي وتطلب هذا منه أن يقوم بإنشاء جيش يستطيع من خلاله أن ينفذ خططه التوسعية، والتي تعينه على الاستقلال بحكم مصر.


في البداية لم يكن محمد على مقتنع بالإنسان المصري للانخراط في الجيش، وبعد فشله مع الجنود الألبان الذي ينتمي إليهم ومحاولتهم لاغتياله، وفشله مع السودانيين كذلك، لم يجد إلا الممصريين كحل أخير، وبدأ محمد علي في الاستعانة بالمصريين لتجنيدهم .

 

تشوش مفهوم الوطنية لدى المصريين:

كان مفهوم الوطن والوطنية غير محدد في نفس الإنسان المصري في تلك الحقبة، فهو لم يشارك منذ قرون عديدة في حكم بلاده ولم يكن ينتمي لجيشها فكانت حدوده هي المساحة التي يعيش فيها وهي التي تعنيه، بالإضافة إلى أن الحكومات التي كانت مسئولة عن هذا الشعب وكان آخرها حكومات الدولة العثمانية والمماليك لم تقدم له أي خدمات من أي نوع وبالتالي كان شعوره بالانتماء والتضحية وخدمة الوطن شبه معدوم.


قد تكون تلك الفترة تغيرت قليلا مع مجيء الحملة الفرنسية حيث وقف المصريون يحاربوها بضرواة، ولكن كان الدافع الأكبر هو حماية الإسلام من معتقدات الفرنجة، وحماية دولة الخلافة.


ولذلك حينما بدأ محمد علي في تكوين الجيش والذي سمي بالجهادية قاومه المصريون بشدة فقام البعض بفقأ عيون أولادهم وقطع إحدى أيديهم أو أرجلهم حتى لا يلتحقوا بالجيش إلا أن محمد علي لم يهتم وبدأ في إعداد كتائب للعور والمشوهين، حتى يعلم الجميع أنه لا سبيل من الالتحاق بالجيش.

 

تمني العجز الجنسي خوفا من التجنيد

كانت قوانين الإعفاء من الجيش لمن يمتلك البدلية "عشرون جنيها ذهبيا" أو من يحفظ القرآن الكريم أو من يقرأ ويكتب أومن كان والده عمده أوشيخ بلد أو من كان له أخ في الجيش فعلا، بالتالي كان يلتحق بالجيش أقل الناس درجة في السلم الاجتماعي، وكان الجهادية أو الجيش يعتبروا منفى نهائي للمجند، فظهرت الأغنية الشعبية التي تقول "يا أمه قوليلي سوق القلايط فين ...أشتري لابني قليطة وزنها رطلين" فالأم هنا على استعداد بالتضحية برجولة ابنها مقابل عدم ذهابه للجندية.


وكانت تلك الأغنية تأخذ شكل العديد في تلك الفترة فالذاهب لن يعود، ومع مرور الوقت واعتياد أبناء الجيش المصري على الحياة العسكرية وحصولهم على بعض الامتيازات تغيرت كلمات الأغاني وإن لم تتجاوز شكل العديد فتقول العدودة ( ولدي يا ولدي والسلطة أخدت ولدي يا عزيز عيني وأنا نفسي أروح بلدي".


استمرت هذه الروح لفترة طويلة خاصة أن بعد محمد على تعاقب حكام من سلالته لم يقتدوا به وأجحفوا حق المصريين مثل الخديوي سعيد صاحب توقيع امتياز حفر قناة السويس، واختلفت تماما في عهد الخديوي إسماعيل وظهرت الروح الوطنية التي تزعمها الجيش بقيادة عرابي إلا أن فشله، ونفيه ودخول الإنجليز مصر في عهد توفيق أدي إلا الرجوع مره أخرى لكراهية الجيش، مع حالة التجهيل التام التي أصابت المصريين مره أخرى.

 

ثورة 1919 واستعادة الروح الوطنية:

لم تستمر هذة الروح طويلا فبعد إنتهاء الحرب العالمية الأولى وصلح فرساي وظهور شخصية شعد زغلول كزعيم وطني هبت الروح المصرية من جديد والتفت حول الزعيم واتخذت الأغنية شكل ساخر فحينما حرم الإنجليز نطق اسم سعد زغلول غنت نعيمة المصرية:
يا بلح زغلول يا حليوة يا بلح
يا بلح زغلول يا زرع بلدي
عليك يا وعدي يا بخت سعدي
زغلول يا بلح يا بلح زغلول
يا حليوة يا بلح يا بلح زغلول
عليك أنادى في كل وادى
قصدي ومرادي
زغلول يا بلح يا بلح زغلول
يا حليوة يا بلح يا بلح زغلول
الله أكبر عليك يا سكر
يا جابر اجبر
زغلول يا بلح يا بلح زغلول
يا حليوة يا بلح يا بلح زغلول
ماعيتشي أبكي وفيه مدبر مين بس ينكر زغلول يابلح


نكاية في المستعمر، وسخرية من قراره، وحينما عاد من المنفى بناءا على رغبة الشعب  بعد ثورته العارمة لحن سيد درويش من كلمات بديع خيري أغنية سعد أملنا ..
كل هذة الأغاني كانت موجهة لشخصية سعد زغلول بعيدا عن التغني للوطن لأن الجيش المصري كان تحت السيطرة الإنجليزية فكان وجود سعد زغلول هو البديل عن أي رمزية للوطن، وظهرت أغاني أخرى لسيد درويش مثل قوم يا مصري، وأنا المصري كريم العنصرين وجميعها مستمدة من الحس الوطني.


ومع مرور الوقت وتزايد الوعي بأهمية الاستقلال الكامل عن أي حكم وبعد الانتصارات السياسية التي حققها سعد زغلول وحصول مصر على استقلا جزئي،ومع وتنامي التواجد المصرية في كافة المجالات،كانت هزيمة 1948 وماتبعها من فساد سياسي بالإضافة إلى حريق القاهرة من الأسباب الرئيسية لثورة 1952 والتي قام بها الجيش المصري بدون أي تواجد أجنبي.


حتى تم القضاء على الاحتلال  والحصول على الاستقلال  وأصبح الانتماء لمصر وللجيش المصري فحينما حدث العدوان الثلاثي ظهرت أغنية الله أكبر فوق كيد المعتدي من كلمات عبد الله شمس الدين وألحان محمود الشريف، والتي تم غنائها بأصوات العاملين في الإذاعة آنذاك، فالحس الوطني ومؤازرة الجيش المصري في مواجهة العدوان ملأهم بالحماسة التي جعلتهم يفنوا هذا النشيد.

من تمني العجز الجنسي للتضحية بالابن في سبيل النصر

وتطور العلاقة بالجيش المصري ويزداد الشعور الوطني وتغني المطربة أحلام من كلمات عبد الفتاح مصطفى:
ندراك لليوم ياولدي
تحميني وتحرس بلدي
سافر مع ألف سلامة
يا أشوفك هنا بكرامة
يا تروح الجنة شهيد
لم يعد هما بديلا عن النصر أو الشهادة فلم تعد الجندية تستحق العديد بل تستحق الاحتفاء، ولتغني بعد ذلك شريفة فاضل لابنها الشهيد وتقول بفجر أنا أم البطل.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء