رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

أبطال الظل فى نصر أكتوبر.. المذيعة التي هزمت العدو (3)

محمد رفعت
محمد رفعت

في محافظة الفيوم عام 1933 وُلدت الاعلامية سلوى حجازي ، وتخرّجت في كلية الآداب قسم اللغة الفرنسية، قبل أن تلتحق بالإذاعة ثم بالتلفزيون المصري معاً  لتصبح واحدة من أبرز المذيعات وأقربهم إلى قلوب المشاهدين في الستينيات بحضور لافت وثقافة رفيعة جمعت بين احتراف الإعلام وكتابة الشعر باللغات الأجنبية.


بينما خلف هذا البريق الإعلامي كانت تخوض مسارًا آخر ، بالغ الخطورة، إذ عملت لصالح جهاز المخابرات العامة المصرية، بعد نكسة يونيو 1967 ، انضمت سلوى حجازي إلى صفوف الجهاز في فترة حساسة من تاريخ مصر، وساهمت بذكائها وثقافتها وقدراتها الخاصة في تنفيذ عدد كبير من المهام المخابراتية الدقيقة، حيث كانت حلقة الوصل الذهبية بين الجهاز وعدد من عملائه في الخارج .


استغلت طبيعة عملها الإعلامي واتصالاتها الواسعة في أوروبا وأمريكا لتسهيل مهماتها وجمع معلومات غاية فى الأهمية عن تسليح جيش العدو، وبلغ عدد العمليات التى نفذتها نحو 30 مهمة استخباراتية في عدد من الدول الأجنبية، وتمكنت من الحصول على معلومات عسكرية خطيرة تخص جيش العدو  ، من بينها خرائط سرية لمواقع الرادارات وأنظمة الدفاع الجوي في سيناء المحتلة ، هذه الخرائط كانت ذات قيمة استراتيجية كبيرة، إذ ساعدت في توجيه الضربة الجوية المصرية الأولى في حرب أكتوبر 1973، وأسهمت في تدمير معظم رادارات العدو خلال الساعات الأولى من المعركة.


لعبت سلوى، دور الوسيط في نقل الرسائل والتعليمات السرية بين المخابرات المصرية وعملائها في الخارج، وتولت بنفسها نقل ميكروفيلم ورسومات تخطيطية دقيقة لتحركات الجيش الصهيوني ، وتمكنت من تسليم تلك المواد إلى أحد ضباط الجهاز في مطار طرابلس قبل صعودها إلى الطائرة في طريق عودتها إلى القاهرة، منهيةً بذلك مهمتها الأخيرة بنجاح تام .


فى يوم 21 فبرايرعام 1973، استقلّت سلوى، طائرة الخطوط الجوية العربية الليبية في رحلتها رقم 114 عائدة إلى القاهرة، غير أن الطائرة واجهت عاصفة رملية قوية أجبرتها على الانحراف عن مسارها والدخول إلى المجال الجوي المصري الذي كانت إسرائيل تحتله في سيناء آنذاك ، أطلقت المقاتلات الإسرائيلية من طراز "فانتوم" صواريخها نحو الطائرة المدنية، ما أدى إلى سقوطها واستشهاد معظم الركاب، ومن بينهم المذيعة المصرية سلوى حجازي، بينما نجا خمسة فقط من الطاقم والركاب.
رحلت سلوى حجازي، وهي في أوج عطائها المهني والوطني، لكن رسالتها الوطنية كانت قد اكتملت قبل لحظات من إقلاع الطائرة، إذ سلّمت بنفسها الوثائق التي ساعدت الجيش المصري لاحقًا في تحقيق التفوق المعلوماتي خلال حرب أكتوبر المجيدة ، وبعد استشهادها، كشفت المخابرات العامة عن دورها البطولي ومنحتها الاسم الكودي " الملكة حتشبسوت الحديثة " تقديرًا لشجاعتها وذكائها ووطنيتها.


في العام نفسه، حصلت على وسام العمل من الدرجة الثانية باعتبارها من شهداء الوطن الأبرار ، ومنذ ذلك الحين، ظل اسمها حاضرًا في الذاكرة الوطنية كرمز للمرأة المصرية القادرة على الجمع بين التفوق المهني والإخلاص الوطني، ومثال نادر على التضحية في سبيل الوطن دون انتظار مقابل أو شهرة.


ومنذ ذلك الوقت أصبحت سلوى حجازي، واحدة من الأسماء الخالدة في سجل المخابرات المصرية، وأحد الوجوه التي أثبتت أن العمل الوطني لا يُقاس بالرتب أو المناصب، بل بما يقدّمه الإنسان من إخلاص وإيمان برسالته ، رحلت وهي تحمل سرّها بصمت، لكنها تركت وراءها قصة بطولية تروى في تاريخ مصر الحديث، عنوانها الوفاء للوطن .

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء