رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

بائع البيض .. حكاية طفل مصري «جنن» إسرائيل

كيف اخترق طفل مصري
كيف اخترق طفل مصري قلب إسرائيل؟

بين رمال سيناء الصامتة وسماءها التي شهدت نكسة 1967، وُلدت قصة طفل مصري يُدعى صالح عطية، ولم تصبح قصة طفولة بريئة، بل أصبحت واحدة من أكثر القصص المدهشة في تاريخ المخابرات المصرية.

سجل هذا الطفل اسمه في سجل الأبطال باعتباره أصغر جاسوس في التاريخ، ونجح، بذكائه وشجاعته، في اختراق المعسكرات الإسرائيلية وجمع معلومات كانت من أخطر الأسرار العسكرية في ذلك الوقت.. وكانت حيلته هي البيض!

 

كيف اخترق طفل مصري قلب إسرائيل؟

صالح عطية، طفل بدوي من أبناء سيناء، كان يعيش مع والده الشيخ عطية، ووالدته مبروكة علم الدين، في بيت بسيط قرب بئر مياه داخل الأراضي السيناوية المحتلة. 

<span style=
كيف اخترق طفل مصري قلب إسرائيل؟

اعتاد الطفل رعي الأغنام والدواجن وبيع البيض للجنود الإسرائيليين المتمركزين في المنطقة. ولم يكن أحد ليتخيل أن هذا الطفل الصغير، بوجهه البريء ولهجته البدوية، سيصبح قريبًا أحد أعمدة العمل الاستخباري المصري.

كانت المخابرات المصرية، عقب نكسة يونيو 1967، تسعى لتجنيد عناصر من أبناء سيناء لجمع المعلومات عن تحركات الجيش الإسرائيلي في المنطقة. 

وأُوكلت المهمة - آنذاك - إلى الرائد كيلاني، أحد ضباط المخابرات، الذي زار الشيخ عطية في منزله لمحاولة إقناعه بالتعاون. 

وخلال الزيارة، لفت نظره الطفل صالح، الذي كان لا يتوقف عن الحركة والنقاش، ويُبدي ذكاءً ملحوظًا وحسًا ميدانيًا فطريًا. 

وعندها خطرت للرائد فكرة غير تقليدية: لماذا لا يكون هذا الطفل هو من يتولى المهمة بدلًا من والده؟

كيف هزم طفل مصري الاستخبارات الإسرائيلية بالبيض؟

بدأ تدريب صالح سرًا على يد الرائد كيلاني، حيث تعلم أساليب المراقبة، ورسم الخرائط، وتحديد المواقع العسكرية، وكيفية تمرير المعلومات دون إثارة الشكوك. 

وفي عام 1969، كان صالح قد أصبح أصغر عميل ميداني للمخابرات المصرية في سيناء المحتلة.

دخل الطفل إلى قلب المعسكرات الإسرائيلية متخفيًا في صورة بائع بيض ودواجن، يتنقل يوميًا بين الجنود ليبيع لهم ما يحتاجونه. 

ولكن خلف هذا الدور البسيط، كان ينفذ مهمة معقدة: رصد أعداد الجنود، أماكن نومهم، مواقع المدافع والمعدات، وأنظمة الكهرباء والمياه في القواعد العسكرية. 

وبفضل شخصيته اللطيفة وثقته بنفسه، نجح في تكوين صداقات مع بعض الجنود، ما مكّنه من التجول بحرية داخل المعسكرات دون أن يثير الريبة.

بمرور الوقت، تمكن صالح من نقل خرائط كاملة لمواقع الألغام المحيطة بالمعسكرات، إضافة إلى بيانات تفصيلية عن مخازن الذخيرة والأسلحة. 

وكانت تلك المعلومات ذات قيمة استراتيجية كبيرة للمخابرات المصرية، وساهمت في بناء قاعدة بيانات دقيقة عن انتشار القوات الإسرائيلية في سيناء.

<span style=
كيف اخترق طفل مصري قلب إسرائيل؟

صالح واستخدام أجهزة التنصت الدقيقة

ومع تطور مهماته، تلقى صالح تدريبًا خاصًا على استخدام أجهزة التنصت الدقيقة، ونجح في تنفيذ واحدة من أخطر العمليات في تاريخ المخابرات المصرية، إذ قام بزرع 55 جهاز تنصت داخل غرف قيادة الجيش الإسرائيلي في سيناء، ما أتاح للمخابرات المصرية الاستماع إلى المحادثات اليومية للضباط الإسرائيليين، ومتابعة خططهم العسكرية أولًا بأول.

قبيل حرب أكتوبر بشهر واحد، قررت المخابرات المصرية نقل صالح ووالديه إلى القاهرة حفاظًا على حياتهم، بعد أن أصبحت هويته السرية مهددة. 

ومع اندلاع الحرب في أكتوبر 1973، استخدمت القوات المصرية المعلومات التي جمعها الطفل السيناوي في تدمير المعسكرات الإسرائيلية التي كان يتردد عليها، لتتحقق واحدة من أنجح العمليات الاستخباراتية في الصراع المصري–الإسرائيلي.

<span style=
كيف اخترق طفل مصري قلب إسرائيل؟

بعد الحرب، كرمه الرئيس الراحل أنور السادات تقديرًا لشجاعته، ومنحه فرصة استكمال تعليمه، حتى التحق بالكلية الحربية عام 1977، ليصبح ضابطًا في جهاز المخابرات العامة المصرية. 

كان القدر يرسم له نهاية رمزية حين جلس على نفس المكتب الذي كان يعمل عليه الرائد كيلاني — الضابط الذي اكتشف موهبته ودربه عندما كان طفلًا صغيرًا.

لكن حياة البطل لم تخلُ من الغموض حتى النهاية. ففي عام 1999، رحل صالح عطية في ظروف غامضة عن عمر ناهز السادسة والأربعين. ولم تُكشف ملابسات وفاته، لكن ذكراه بقيت حية في وجدان من عرفوه، باعتباره رمزًا للذكاء الفطري والشجاعة التي لا تعرف عمرًا.

قصة صالح عطية ليست مجرد حكاية عن صبي باع البيض في معسكرات الاحتلال، بل شهادة على أن الوطنية ليست سنًا ولا رتبة، وأن المعارك الكبرى تُحسم أحيانًا بأفعال صغيرة، وبقلب طفل آمن بأن حُب الوطن لا يُقاس بالعمر، بل بالفعل.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء