رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

بنات مصر... وجوه من الكفاح

صانعات الغد.. حكايات الصبر والإصرار في مواجهة الظروف والقيود الاجتماعية

المرأة العاملة
المرأة العاملة

في شوارع مصر وأزقتها، في المدارس والمصانع والملاعب والمكاتب، تلمع وجوه فتيات لم يعرفن طريقًا سهلاً إلى أحلامهن، هنَّ "فتيات مكافحات"، حملن على أكتافهن مسؤوليات قاسية في عمر الزهور، وقررن أن يكنّ صانعات للغد لا ضحايا له وقام موقع "إجيبتك" في هذا التحقيق يسلّط الضوء على نماذج من فتيات مصريات تحدّين الفقر والعادات والمصاعب، وكتبن قصص نجاح استثنائية في مجالات التعليم والعمل والرياضة والمبادرات المجتمعية بمناسبة اليوم العالمي للفتاة

 

سيدة الميكروباص

في زمن أصبح فيه العمل الشريف نادرًا، تقف "أم آلاء" من محافظة السويس نموذجًا مُشرّفًا للمرأة المصرية القوية المكافحة.. سيدة تجاوزت الأربعين عامًا من الخبرة في قيادة السيارات، تقود سيارة ميكروباص بمفردها منذ أكثر من ثلاث سنوات، متنقلة بين السويس ومختلف محافظات الجمهورية ورغم مشقة الطريق وظروف المهنة الصعبة، لم يكن نزول "أم آلاء" إلى مجال العمل بإرادتها الكاملة، بل فرضت عليها الظروف الاجتماعية والاقتصادية هذا التحدي. فهي الأم والأب في آنٍ واحد لثلاث بنات، تسعى بكل ما أوتيت من قوة وجهد لتربيتهم وتجهيزهم للمستقبل.

وتقول "أم آلاء" مش نازلة المجال ده بمزاجي، بس لما جبت سواقين يشتغلوا على العربية، اتعرضت للسرقة والتخريب، ومالقتش أمان إلا لما قررت أسوق بنفسي. كده بضمن لقمة عيشي وعيش ولادي، وأحافظ على عربيتي وتعمل "أم آلاء" في الموقف العمومي بمحافظة السويس، وتحديدًا أيام الأربعاء والخميس والجمعة، حيث تقوم بنقل الركاب إلى محافظات مختلفة مثل الزقازيق والمنصورة وغيرها، وقد أصبحت وجهًا مألوفًا ومعروفًا لدى الكثير من أبناء السويس، الذين يقدرون جهدها وشجاعتها.
 

ورغم كل ما تقدمه، إلا أن التحديات لا تتوقف، إذ تواجه رفض بعض السائقين للعمل معها فقط لأنها "امرأة"، وهو أمر يزعجها كثيرًا و "أكتر حاجة بتضايقني إن بعض السواقين بيرفضوا يشتغلوا معايا لمجرد إني ست، كأن السواقة حكر على الرجالة، مع إني عندي خبرة سنين وسواقتي بشهادة الكل محترفة.

وأكدت أم آلاء انه برغم هذه العقبات، ترفض أن تطلب المساعدة أو المعونة، لكنها تتمنى فقط أن تحصل على تصريح رسمي بالعمل من الجهات المختصة، لتتمكن من الاستمرار بشكل قانوني ورسمي في مزاولة مهنتها، وتوفير احتياجات بناتها.

تختم "أم آلاء" حديثها بقولها "مش عايزة من حد حاجة غير إني أشتغل رسمي.. عشان أقدر أكمّل وأساعد بناتي وبيتي ونفسي في مجتمعنا اليوم، قصص مثل قصة "أم آلاء" تستحق أن تُروى وتُسلّط عليها الأضواء، فهي ليست مجرد سائقة، بل أم مثالية ومقاتلة في سبيل الكرامة والعيش الحلال، ونموذج يُحتذى به في الإصرار والصبر والتحدي.
 

 

من مقاعد الجامعة إلى العمل في الدليفري

بينما تقول مروة تركي، شابة تبلغ من العمر 27 عامًا، تخرجت في كلية الآداب بجامعة عين شمس، ورفضت الاستسلام للتحديات التي واجهتها في بداية حياتها العملية وبدأت مشوارها بالعمل كمدرسة، ورغم الصعوبات التي واجهتها في التدريس، فإنها لم تتوقف، بل انتقلت إلى العمل في إحدى الشركات صباحًا، ثم سعت بعد الظهر إلى العمل في خدمة التوصيل "الدليفري".

تقول مروة "الشغل مش عيب، وأنا سعيدة بتجربتي، لأن كل خطوة منها علمتني درس جديد في حياتي" ورغم نظرة البعض لعمل الفتيات في الدليفري، فإنها كانت حريصة على الحفاظ على نفسها، فتوضح أنها اعتادت سؤال حارس العقار قبل خروجها لتوصيل الطلبات، كإجراء احترازي ومع مرور الوقت، قررت خوض تجربة جديدة أكثر حرية واستقلالًا، حيث أطلقت مشروعًا صغيرًا لإعداد الكوكيز، وبدأت بالفعل في توزيعه على بعض الكافيهات والمحال، إلى جانب عملها في الدليفري.
 

وتضيف مروة أن "المشروع ممتع لأنه شغل حر، وبيخليني أحس إني بعمل حاجة من تعبي ومجهودي"، مؤكدة أن مشروعها وُلد من رحم التحديات التي مرت بها قصة مروة تعكس إصرار فتاة مصرية كسرت الحواجز الاجتماعية، ونجحت في تحويل العقبات إلى فرص، لتكتب لنفسها طريقا جديدًا نحو الاستقلال والنجاح.
 

 

الكفاح الأنثوي يعيد تشكيل المجتمع

لم يعد كفاح الفتيات في مصر مجرد قصص إنسانية تُروى في المناسبات، بل أصبح ظاهرة اجتماعية مؤثرة تعيد تشكيل البنية الثقافية والاقتصادية للمجتمع المصري، وتفرض حضورًا جديدًا للمرأة في سوق العمل ومجال التعليم والرياضة والمبادرات المجتمعية و تقول الدكتورة هدى زكريا، أستاذة علم الاجتماع السياسي "التحولات التي نشهدها اليوم في سلوك الفتيات المصريات تُعد انعكاسًا مباشرًا لوعي جديد بالذات وبالدور الاجتماعي للمرأة و لم تعد الفتاة المصرية تنتظر الدعم أو المساعدة، بل أصبحت تبادر وتتحمل مسؤولية نفسها وأسرتها في كثير من الأحيان.
 

وتوضح أستاذة علم الاجتماع  أن هذا التغير لا يقتصر على المدن الكبرى فقط، بل يمتد إلى القرى والنجوع التي كانت حتى وقت قريب حبيسة العادات والتقاليد المقيدة لدور المرأة و نشهد نماذج لفتيات من الريف قررن استكمال التعليم أو العمل الحر، رغم المعارضة المجتمعية، وهو ما يشير إلى تحوّل ثقافي حقيقي في القاعدة الشعبية.
 

من الشارع إلى القمة... فتيات يرسمْن ملامح مصر الجديدة

من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي و ليد جاب الله أن كفاح النساء يسهم في تحريك عجلة الاقتصاد الوطني، خاصة في القطاعات غير الرسمية والمشروعات الصغيرة على نحو 30% من القوة العاملة في الاقتصاد غير الرسمي نساء، كثيرات منهن يعُلن أسرًا كاملة و جهودهن اليومية لا تُقاس فقط بالمال، بل بالأثر الاجتماعي الذي يتركنه في محيطهن.

وأكد جاب الله أن تمكين الفتيات من التعليم والتدريب المهني يعني زيادة في الناتج المحلي الإجمالي على المدى الطويل، معتبرًا أن "الاستثمار في المرأة هو استثمار في المجتمع بأكمله و أن قصص الكفاح الفردي تحوّلت إلى حراك نسوي جديد بصبغة واقعية مؤكداً أن "كل فتاة مصرية تكافح لتتعلم أو تعمل أو تثبت ذاتها، تُسهم بشكل أو بآخر في إعادة صياغة صورة المرأة في الوعي الجمعي، وتبني مجتمعًا أكثر توازنًا وعدلاً في توزيع الفرص.
 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء