رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

من الزواج إلى الميلاد.. خريطة مصر للوقاية من الأمراض الوراثية

الأمراض الوراثية
الأمراض الوراثية

في قرية صغيرة بإحدى محافظات الصعيد، كانت “هبة” تراقب ابنها “عمر” وهو يحاول الوقوف ممسكًا بطرف الأريكة، كان في عامه الثالث، ومع ذلك لم ينطق سوى بضع كلمات ولم يتمكن من المشي بثبات، كلما ذهبت به إلى طبيب، كانت تسمع تشخيصًا مختلفًا: “يمكن عنده تأخر بسيط”، “ادّيه كالسيوم”، “روّحي علاج طبيعي”. لكن قلبها كان يخبرها أن الأمر أعمق من ذلك.

بعد سلسلة طويلة من الفحوصات، جاء التشخيص الذي لم تكن تتوقعه: “ابنك مصاب بمرض وراثي نادر يسبب تأخرًا في النمو الحركي والعقلي، والسبب زواج الأقارب.”
تقول “هبة” بصوت متهدّج: “أنا وجوزي أولاد عم… محدش في العيلة قال إن دا ممكن يحصل، كله كان بيقول العيال بتطلع زي الفل”.

بدأت رحلة العلاج المرهقة، بين جلسات العلاج الطبيعي والأدوية والمتابعات الدورية، تحاول الأم بكل قوتها أن تمنحه حياة طبيعية، لكن الطبيب أخبرها أن حالته تحتاج إلى متابعة دائمة وأن العلاج يخفف الأعراض فقط ولا يشفي تمامًا.

“عمر” اليوم في الخامسة، يبتسم كثيرًا، لكنه لا يستطيع الركض مع أقرانه، ولا يلتحق بالحضانة كبقية الأطفال. تقول والدته بأسى: “كل ما أشوف طفل في سنه بيتكلم وبيجري، قلبي بيتقطع… لو كنا عملنا فحوصات قبل الجواز، كان ممكن نتجنب كل دا.”

قصة “عمر” ليست استثناءً، بل جزء من واقع مؤلم في كثير من القرى، حيث يزيد زواج الأقارب من احتمالية إصابة الأطفال بالأمراض الوراثية المتنحية بنسبة تصل إلى 25%. وهي أمراض قد لا تظهر على الأبوين الحاملين للجين المعيب، لكنها تظهر في أطفالهم على شكل إعاقات حركية أو ذهنية أو تأخر في النمو.

وتكشف قصة “عمر” عن أهمية الفحص قبل الزواج، وعن الدور الحيوي للمبادرات الوطنية التي أطلقتها الدولة للكشف المبكر عن الأمراض الوراثية، حتى لا تتكرر هذه المأساة في بيوت أخرى. فـ الوقاية ليست رفاهية، بل حياة كاملة يمكن إنقاذها.

ما هي الأمراض الوراثية؟

الأمراض الوراثية هي أي مرض وراثي ينتج بسبب حدوث خلل في المادة الوراثية للفرد، ومن الممكن أن يتراوح حجم الخلل الحادث في الجينات بين الخلل البسيط والذي يحدث في قاعدة واحدة من DNA إلى الخلل الكبير، الذي يحدث لكروموسوم كامل أو مجموعة من الكروموسومات مثل إضافة كروموسوم كامل أو حذفه ، وبشكلٍ عام بعض الأمراض الوراثية تورث من الآباء أو الأمهات أو من كلاهما، والبعض الآخر يحدث بسبب حدوث طفرة جينية مكتسبة بشكلٍ عشوائي أو بسبب العوامل البيئية.


أنواع الأمراض الوراثية

توضح الدراسات الحديثة أن الأمراض الوراثية تنقسم إلى ثلاثة أنواع رئيسية، تختلف في أسبابها وطرق انتقالها بين الأجيال، وتشمل:
1. الأمراض الجينية (Gene Disorders)
2. الأمراض الكروموسومية (Chromosomal Disorders)
3. الأمراض المركبة (Multifactorial Disorders)

أولاً: الأمراض الجينية

تنتج الأمراض الجينية عن خلل في المورثات (الجينات) دون أن يصاحبه أي تغير في عدد أو شكل الكروموسومات ككل.
إذ يتكون الكروموسوم الواحد من عدد كبير من الجينات المتجاورة، وكل جين منها مسؤول عن صفة محددة من صفات الإنسان.
وتُقسم الأمراض الجينية إلى نوعين رئيسيين:

🔹 1- الأمراض الجينية السائدة

وهي التي تنتقل من جيل إلى آخر (من أحد الأبوين إلى الأبناء)، ويوجد نحو 600 مرض يُورث بهذه الطريقة.
ومن أهم خصائصها:
• أن المريض يحمل نسخة واحدة فقط من الجين المصاب.
• غالبًا ما يكون أحد الأبوين حاملًا للجين المرضي حتى وإن لم تظهر عليه الأعراض.
• تصيب الذكور والإناث بنسب متساوية.
• تختلف شدة ظهور المرض من شخص لآخر رغم وجود الجين نفسه.

🔹 2- الأمراض الجينية المتنحية

ويُقدّر عددها بنحو 500 مرض وراثي، وتحدث عندما يرث الطفل نسختين من الجين المصاب، إحداهما من الأب والأخرى من الأم.
وتتميز هذه الأمراض بالخصائص التالية:
• يكون الأبوان سليمين ظاهريًا لكنهما حاملان للجين المسبب للمرض.
• تصيب الذكور والإناث بالتساوي.
• تزداد احتمالية الإصابة بها في المناطق التي يكثر فيها زواج الأقارب.
• في كل حمل، تكون احتمالات ولادة الأطفال كما يلي:
• 25٪ أطفال أصحاء تمامًا.
• 25٪ أطفال مصابون بالمرض.
• 50٪ أطفال حاملون للجين المرضي دون ظهور الأعراض عليهم.

ثانياً: الأمراض الكروموسومية

تحدث الأمراض الكروموسومية نتيجة تغيرات في عدد أو تركيب الكروموسومات، وهي وحدات المادة الوراثية المسؤولة عن تخزين المعلومات الجينية.
وتنقسم هذه التغيرات إلى نوعين رئيسيين:

🔹 1- التغييرات العددية

تحدث عندما يقل أو يزيد عدد الكروموسومات عن المعدل الطبيعي (46 كروموسومًا)، كما في حالة متلازمة داون (Down Syndrome)، التي تنتج عن وجود كروموسوم إضافي في الزوج رقم 21، وتُعد من أشهر أسباب الإعاقة الذهنية في العالم.

🔹 2- التغييرات الهيكلية

وتنشأ نتيجة تلف في تركيب أو شكل الكروموسوم نفسه، وقد تشمل فقدان أو تكرار أو انتقال جزء من الكروموسوم.
وتصل نسبة هذه الحالات إلى نحو 5.6 لكل ألف مولود حي، ومن أمثلتها مرض “بكاء القطة” (Cri-du-chat Syndrome)، الذي ينتج عن فقدان جزء من الكروموسوم رقم 5، ويتميز ببكاء يشبه صوت القطة لدى الأطفال المصابين.

ثالثاً: الأمراض المركبة

يطلق عليها أيضًا الأمراض الوراثية متعددة الأسباب (Multifactorial Disorders)، لأنها تنتج عن تفاعل العوامل الوراثية مع العوامل البيئية في الوقت نفسه.
وفي هذه الحالات، لا يكون المرض ناتجًا عن جين واحد، بل عن عدة جينات تتأثر بعوامل خارجية مثل النظام الغذائي، ونمط الحياة، والملوثات البيئية.

ومن أبرز أمثلة هذا النوع:
• بعض أمراض القلب الوراثية (مثل ثقوب القلب الخلقية).
• السكري، وارتفاع ضغط الدم، والربو، وبعض أنواع السرطان.

ويُطلق على هذه الفئة “الأمراض ذات الأسباب المتعددة”، لأنها لا تتبع قوانين الوراثة البسيطة التي وضعها “مندل”، بل تعتمد على تركيب جيني معقد وتداخل بيئي واضح.
تُورّث هذه الأمراض من أحد الأبوين أو كليهما

الدكتورة نجوي عبدالمجيد، أستاذ الوراثة البشرية بالمركز القومي للبحوث، أن الأمراض الوراثية تنشأ نتيجة خلل في المادة الوراثية (DNA) لدى الإنسان، وقد يكون هذا الخلل بسيطًا في قاعدة واحدة من الجين، أو كبيرًا يشمل حذف أو إضافة كروموسوم كامل أو أكثر.
وقد تُورّث هذه الأمراض من أحد الأبوين أو كليهما، بينما تحدث أحيانًا نتيجة طفرة جينية مكتسبة أو تأثيرات بيئية خارجية.

الدكتورة نجوى عبدالمجيد
الدكتورة نجوى عبدالمجيد

متلازمة داون… أشهر الاضطرابات الوراثية

تُعد متلازمة داون من أكثر الأمراض الوراثية شيوعًا في العالم، وتحدث نتيجة وجود كروموسوم إضافي في الزوج رقم 21، ليصبح العدد الإجمالي للكروموسومات 47 بدلًا من 46.
ويؤدي هذا الخلل إلى إعاقات ذهنية وتأخر في النمو الحركي، وغالبًا ما يكون تقدّم عمر الأم عند الإنجاب من العوامل الرئيسية المسببة له.
وأشارت عبدالمجيد إلى أنه من السهل اكتشاف متلازمة داون أثناء الحمل من خلال الفحوصات الوراثية المتقدمة.

كما شددت على أهمية متابعة تطور اللغة لدى الأطفال، لأنها مؤشر رئيسي للكشف المبكر عن التوحد أو الصمم الوراثي، مؤكدة أن معظم الحالات تُكتشف متأخرًا بسبب نقص الوعي.

أمراض وراثية قابلة للعلاج

أشارت عبدالمجيد إلى أن بعض الأمراض الوراثية أصبح لها علاج فعّال، منها التشنجات الوراثية وفرط الحركة التي يمكن التحكم فيها من خلال النظام الغذائي، وكذلك مرض الأتاكسي أو “الرعاش الوراثي” الذي كان يسبب فقدان التوازن وعدم القدرة على السير المستقيم، مؤكدة أن التطور العلمي أتاح علاجًا نهائيًا له.

في المقابل، تظل الأمراض الوراثية المصحوبة بتشوهات خلقية من أكثر الحالات صعوبة في العلاج.

الأمراض الوراثية المرتبطة بالجنس

تُعد الأمراض المرتبطة بالجنس من الحالات الدقيقة التي تصيب أحد الجنسين دون الآخر، وأشهرها متلازمة الكروموسوم X الهش، التي تظهر غالبًا في الذكور نتيجة انتقال الجين المعيب من الأم الحاملة له.
وتتميز هذه الحالة باضطرابات لغوية وحركية وتشبه في أعراضها مرض التوحد، مثل تأخر اللغة وفرط النشاط.

وتوضح الدكتورة عبدالمجيد أن احتمال إصابة الطفل التالي في الحمل بمتلازمة الكروموسوم X الهش يصل إلى 25٪، بينما تبلغ نسبة تكرار التوحد من 7 إلى 10٪، لأنه يعتمد بدرجة كبيرة على العوامل البيئية وليس الوراثة وحدها.

زواج الأقارب… العامل الأبرز في انتشار الأمراض الوراثية

وأكدت الدكتورة نجوي عبدالمجيد، أستاذة علم الوراثة البشرية والاحتياجات الخاصة بالمركز القومي للبحوث، أن العيوب الخلقية لدى الأجنة والأطفال الرضع مسؤولة عن نحو 495 ألف حالة وفاة سنويًا حول العالم، بحسب تقديرات منظمة الصحة العالمية.

وأشارت إلى أن زواج الأقارب في مصر والدول العربية يشكل أحد أهم العوامل التي تسهم في ظهور الأمراض الوراثية النادرة، إذ تصل نسبته إلى ما بين 33٪ و42٪، مما يزيد من فرص تكرار الطفرات الجينية المسببة للمرض.

وأضافت أن مصر أحرزت تقدمًا ملحوظًا في مكافحة الأمراض المعدية، لكن الاضطرابات الوراثية ما زالت تمثل تحديًا صحيًا كبيرًا، يتطلب الحد من زواج الأقارب ورفع الوعي بخطورة تأخر سن الإنجاب سواء للمرأة أو للرجل.

الإرشاد الوراثي والمسح القومي للمواليد

وشدّدت عبدالمجيد على أهمية الإرشاد الوراثي وإجراء فحوص ما قبل الزواج للكشف عن الأمراض الوراثية والمزمنة مثل القلب، والصرع، والقصور الكلوي، لتفادي انتقالها إلى الأجيال القادمة.

كما طالبت بتوسيع برامج المسح الشامل للمواليد للكشف المبكر عن الأمراض الوراثية منذ الأيام الأولى من الولادة، مؤكدة أن ذلك سينعكس إيجابًا على صحة الأجيال المقبلة، ويساهم في تقليل معدلات الإعاقة.

وأشادت عبدالمجيد بـ المبادرة الرئاسية للكشف المبكر عن الأمراض الوراثية، مؤكدة أنها تمثل “خطوة فارقة نحو جيل أكثر صحة ووعيًا”.

إنجازات بحثية رائدة

وكشفت أستاذة الوراثة البشرية عن نجاحها في إثبات العلاقة بين زواج الأقارب وزيادة معدلات الخلل الجيني في المجتمع المصري، خصوصًا في المناطق الريفية. كما ساهمت في تحديد الطفرات الجينية الشائعة المسببة لعدة متلازمات، مثل التوحد ومتلازمة الكروموسوم X الهش، للمرة الأولى في مصر، مما ساعد في تصحيح كثير من التشخيصات الخاطئة.

وأضافت أنها شاركت في إعداد قاعدة بيانات جينية وطنية لمرضى التوحد والصمم الوراثي، إلى جانب اكتشاف طفرات جديدة في حالات الإعاقة الذهنية، مشيرة إلى أنه تم بالفعل تثبيط أحد هذه الجينات بطريقة علاجية قابلة للتطبيق، ما يمثل بارقة أمل جديدة للمرضى.
 أمراض الدم الوراثية.. الخلل الخفي في الجينات

تُعد أمراض الدم الوراثية من أكثر الاضطرابات الجينية شيوعًا في العالم، إذ تنتقل من الآباء إلى الأبناء عبر الجينات، كما أوضح لنا دكتور ممدوح الشربيني استشاري أمراض الدم، متابعا وتنتج غالبًا عن خلل في تركيب أو وظيفة كريات الدم الحمراء، ما يجعلها غير قادرة على أداء مهامها الحيوية بنقل الأكسجين إلى أنسجة الجسم بكفاءة.
ومن أبرز هذه الأمراض الثلاسيميا والأنيميا المنجلية (Sickle Cell Anemia)، اللتان تُعدان من الأمراض المزمنة التي قد تُرافق المريض طوال حياته.

دكتور ممدوح الشربيني استشاري أمراض الدم
دكتور ممدوح الشربيني استشاري أمراض الدم

وتابع تحدث الإصابة عادة عندما يحمل كلا الأبوين الجين المصاب؛ ففي هذه الحالة ترتفع احتمالية إصابة الطفل بالمرض إلى 25% في كل حمل. أما إذا كان أحد الأبوين فقط حاملًا للجين المعيب، فيمكن أن يُنقل المرض إلى بعض الأبناء، الذين يصبحون حاملين للصفة المرضية دون ظهور الأعراض.


ضمور دوشين العضلي (Duchenne Muscular Dystrophy)

يُعد ضمور دوشين العضلي أحد أشد أنواع أمراض العضلات الوراثية، وينتقل أيضًا عبر كروموسوم X، ما يجعله يصيب الذكور تقريبًا دون الإناث.
والحديث مازال لدكتور ممدوح الشربيني ، ويبدأ المرض عادة في سن مبكرة (بين العامين والثالث)، حيث يُلاحظ ضعف متزايد في عضلات الساقين والحوض، ثم يمتد تدريجيًا إلى باقي عضلات الجسم، مما يجعل الطفل يفقد القدرة على المشي بشكل طبيعي مع مرور الوقت.
أما الإناث الحاملات للطفرة الجينية، فعادة لا تظهر عليهن الأعراض، لكنهن قد ينقلن المرض إلى أبنائهن الذكور.

مرض الهيموفيليا (Hemophilia)

وتابع الهيموفيليا، أو ما يُعرف بالـ “ناعور”، هو اضطراب وراثي نادر في تجلط الدم، يؤدي إلى نزيف متكرر وصعوبة في التئام الجروح.
ويُعد هذا المرض من الأمراض المرتبطة بالجنس، إذ يصيب الذكور أكثر من الإناث بسبب انتقاله عبر كروموسوم X، حيث تكون الأم حاملة للجين المسبب دون أن تظهر عليها الأعراض، وتنقل الطفرة إلى ابنها الذكر الذي يُصاب بالمرض.
ويُصنف المرض إلى ثلاثة أنواع رئيسية (A وB وC)، تختلف باختلاف نوع البروتين الناقص المسؤول عن تجلط الدم.

كيف تنتقل الأمراض الوراثية المرتبطة بالجنس؟

تنتقل الأمراض المرتبطة بالجنس من الآباء إلى الأبناء عبر الكروموسومات الجنسية (X وY)، بحسب د. ممدوح، فعندما تحمل الأم جينًا مصابًا على كروموسوم X، وتلتقي بكروموسوم X أو Y من الأب، تظهر احتمالات مختلفة:
• إذا انتقل الجين المعيب إلى الذكر (XY)، فإنه يُصاب بالمرض لعدم وجود نسخة سليمة تعوض الخلل.
• أما إذا انتقل إلى الأنثى (XX)، فإنها غالبًا تكون حاملة للمرض فقط دون أعراض.

وتنقسم هذه الأمراض إلى نوعين:
• مرتبطة بكروموسوم X مثل:
• ضمور العضلات الدوشيني
• عمى الألوان
• الهيموفيليا
• مرتبطة بكروموسوم Y، مثل العقم عند الرجال الناتج عن خلل جيني يؤثر في إنتاج الحيوانات المنوية.
 مبادرة فحص المقبلين على الزواج.. الوقاية خير من العلاج

تُعد المبادرة الرئاسية لفحص المقبلين على الزواج خطوة مهمة نحو مجتمع خالٍ من الأمراض الوراثية والمعدية، وتهدف إلى تعزيز مفهوم الوقاية بوصفها السبيل الأنجع لحماية الأجيال القادمة.
فالفحص الطبي قبل الزواج يُعد من الإجراءات الوقائية التي تحد من انتقال أمراض الدم الوراثية، مثل الثلاسيميا والأنيميا المنجلية، إذ تُظهر التحاليل احتمال وجود جينات مصابة بخلل وراثي لدى أي من الطرفين، حتى وإن لم تظهر عليهما أعراض المرض.

وفي هذا الإطار، أوضح الدكتور حسام عبد الغفار، المتحدث الرسمي لوزارة الصحة والسكان، أن المبادرة تتضمن إضافة حزمة متكاملة من الفحوصات الطبية والتحاليل المعملية إلى الشهادة الطبية للمقبلين على الزواج، بهدف الكشف المبكر عن الأمراض المعدية وغير السارية، وضمان خلو الطرفين من أي أمراض قد تؤثر على حياتهما المستقبلية أو تُنقل إلى الأبناء.

 

وتشمل هذه الفحوصات — بحسب عبد الغفار — الكشف عن الأمراض غير السارية مثل:
• السكري
• ارتفاع ضغط الدم
• السمنة

إلى جانب الكشف عن الأمراض المعدية، مثل:
• فيروس الالتهاب الكبدي B وC
• فيروس نقص المناعة البشري (الإيدز)

كما تتضمن المبادرة:
• تحليل فصيلة الدم
• تحليل الثلاسيميا وفقر الدم المنجلي
• اختبار معامل ريزوس (RH)
• تحليل نسبة الهيموجلوبين

مشورة طبية وتثقيف صحي للمقبلين على الزواج

ولا تقتصر المبادرة على الفحوصات فقط، بل تمتد إلى تقديم المشورة والتثقيف الصحي داخل “غرف مشورة” مجهزة في المراكز الطبية، حيث يحصل المقبلون على الزواج على نصائح مهنية حول الصحة الإنجابية، والوقاية من الأمراض، والتخطيط لحياة أسرية صحية.
وفي حال ثبوت إصابة أحد الطرفين بأي مرض، يتم توجيهه فورًا إلى المستشفيات والمراكز العلاجية المتخصصة لتلقي الرعاية والعلاج اللازمين.

وشدد عبد الغفار على أن نتائج الفحوصات ليست إلزامية لإتمام الزواج، وإنما تهدف إلى تمكين الشاب والفتاة من اتخاذ قرار واعٍ ومسؤول بشأن حياتهما المستقبلية، مؤكدًا أن جميع البيانات والفحوصات تُجرى بسرية تامة وخصوصية كاملة بين مقدّم الخدمة وطالب المشورة.

وقاية من المشكلات المستقبلية

تتيح هذه المبادرة اكتشاف أي تشوهات أو اضطرابات وراثية أو صحية مبكرًا، بما يتيح التدخل العلاجي في الوقت المناسب، كما يُسهم الفحص المتعلق بالخصوبة في تحديد الحالات التي قد تؤثر على فرص الحمل والإنجاب.
ويساعد ذلك على تجنب الصدمات النفسية والاجتماعية المرتبطة بظهور أمراض أو مشكلات صحية بعد الزواج أو الولادة، مما يجعل هذه المبادرة ركيزة أساسية في استراتيجية الدولة للوقاية من الأمراض الوراثية وتحسين الصحة العامة للأسرة المصرية.
 المبادرة الرئاسية للكشف المبكر عن الأمراض الوراثية.. نحو جيل خالٍ من الإعاقة

بدأت المبادرة الرئاسية للكشف المبكر عن الأمراض الوراثية منذ أكثر من٤ أعوام، وتحديدًا في 13 يوليو 2021، ويجري تطبيق المبادرة حاليًا على الأطفال المبتسرين بوحدات الرعاية الحرجة داخل مستشفيات وزارة الصحة والسكان، ومستشفيات التأمين الصحي، والمستشفيات الجامعية والمعاهد التعليمية، في حين لم تُطبق بعد على المستشفيات الخاصة أو الجمعيات الأهلية.

وتهدف المبادرة إلى الكشف المبكر عن 19 مرضًا وراثيًا لدى الأطفال حديثي الولادة، وذلك كخطوة أولى نحو بناء جيل خالٍ من الإعاقات الذهنية والجسدية، من خلال التشخيص المبكر والتدخل العلاجي السريع.

وتشمل المرحلة الثانية  جميع الأطفال حديثي الولادة في الوحدات الصحية على مستوى الجمهورية، وليس الأطفال المبتسرين فقط، بما يضمن تعميم الاستفادة من خدمات الكشف المبكر.

وجاء اختيار 19 مرضًا وراثيًا  بناءً على توصية لجنة علمية متخصصة، حددت أكثر الأمراض انتشارًا بين المواليد والتي لها علاج فعّال ونسبة استجابة مرتفعة. ويهدف البرنامج إلى إنقاذ آلاف الأطفال من الإعاقات — خصوصًا الذهنية منها — عبر التوسع التدريجي في الفحوصات الوراثية وإدراجها ضمن البرنامج القومي لصحة الأطفال حديثي الولادة.

ويشمل البرنامج القومي أيضًا الكشف عن قصور الغدة الدرقية ومرض الفينيل كيتونيوريا، وهو أحد أمراض التمثيل الغذائي النادرة.

فحوصات المبادرة وأمراضها المستهدفة

تشمل قائمة الأمراض التي تغطيها المبادرة مجموعة من الاختلالات الجينية والتمثيلية النادرة، من أبرزها:
قصور الغدة الدرقية، تضخم الغدة الكظرية الخلقي، أنيميا الفول، التليف الكيسي، الفينيل كيتونيوريا، نقص رباعي هيدروبيوبترين، ارتفاع حمض الجلوتاريك، ارتفاع حمض الإيزوفاليريك، ارتفاع حمض الميثيل مالونيك، مرض البول القيقبي، ارتفاع التيروزين من النوع الأول، ارتفاع الجالاكتوز، ارتفاع الهوموسيستين، ارتفاع الأرجينين، ارتفاع السيترولين، نقص الأورنيثين ناقل الكربامويل، خلل أكسدة الأحماض الدهنية، ونقص إنزيم البيوتينيداز.

ويتم الفحص من خلال أخذ عينة دم من كعب الطفل وتحليلها في المعامل المركزية للمركز المصري للتحكم والسيطرة على الأمراض، المزوّد بأحدث الأجهزة العالمية في مجال التشخيص الوراثي.

وفي حال جاءت نتيجة الفحص إيجابية لأحد الأمراض، يُحال الطفل لإجراء تحليل تأكيدي للمرض، ثم يبدأ على الفور تلقي العلاج اللازم مجانًا وفق البروتوكولات العلاجية المعتمدة من اللجنة العلمية للمبادرة.

49 مركزًا للعلاج والمتابعة

خصصت وزارة الصحة 49 مركزًا لعلاج الأمراض الوراثية لدى حديثي الولادة، بالتعاون مع المجلس الأعلى للمستشفيات الجامعية التابع لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي، مع خطة للتوسع التدريجي لتغطية جميع المحافظات.
وتقدم هذه المراكز خدمات العلاج والمتابعة الدورية للأطفال المصابين بالأمراض الوراثية، لمساعدتهم على ممارسة حياتهم بشكل طبيعي، إلى جانب خدمات الدعم والمشورة الوراثية للأسر، بهدف تقليل احتمالات تكرار الإصابة في الأجيال المقبلة.

وتم اكتشاف انتشار ملحوظ في بعض الأمراض مثل أنيميا الفول، ومرض البول القيقبي، وتضخم الغدة الكظرية الخلقي، مما استدعى توسيع قاعدة الفحص لتحديد مدى استحقاق هذه الحالات للانضمام إلى البرنامج القومي.

 

التوعية والمتابعة الميدانية

تركز المبادرة  على تثقيف الأمهات والآباء بضرورة متابعة تطور أطفالهم بدقة، وملاحظة أي تراجع في قدراتهم الحركية أو الذهنية مثل فقدان القدرة على المشي أو الكلام بعد اكتسابها، وهي إشارات تستدعي التوجه فورًا للفحص.
كما تساهم الوحدات الصحية في رصد هذه الحالات أثناء زيارات التطعيمات الدورية، حيث يتم قياس الطول والوزن ومتابعة النمو، وإذا لاحظ الفريق الطبي أي خلل، يُحال الطفل إلى أقرب مركز وراثي لإجراء الفحوص اللازمة.


البرنامج القومي للكشف المبكر عن أمراض حديثي الولادة

وفي السياق نفسه، قالت الدكتورة إيمان السعيد، مسؤولة البرنامج القومي لاكتشاف نقص هرمون الغدة الدرقية والفينيل كيتونيوريا لحديثي الولادة، إن البرنامج يعد من أنجح برامج الوقاية المبكرة في مصر.
وأوضحت أن العينة تؤخذ من كعب الطفل حديث الولادة في اليوم الثالث إلى السابع من الولادة، وتُحلل في المعامل المركزية.
وفي حال كانت النتيجة سلبية، يُعتبر الطفل سليمًا، أما في حالات الاشتباه فيُطلب تحليل ثانٍ لتأكيد التشخيص، بينما الحالات الإيجابية عالية الخطورة تُحال مباشرة إلى المعامل المركزية لأخذ عينة وريدية لإثبات الإصابة وبدء العلاج فورًا.

الدكتورة إيمان السعيد
الدكتورة إيمان السعيد

وأضافت السعيد أن نقص هرمون الغدة الدرقية يصيب طفلًا واحدًا من بين كل 2250 مولودًا في مصر، مقارنة بطفل لكل 3000 على مستوى العالم، بينما الفينيل كيتونيوريا يصيب طفلًا من كل 10 آلاف مولود.

وأشارت إلى أن هذا الهرمون أساسي لعمليات التمثيل الغذائي والنمو الجسدي والعقلي، وتأخر اكتشافه أو علاجه قد يؤدي إلى إعاقة ذهنية دائمة.
لكن في حال بدء العلاج خلال الشهر الأول من عمر الطفل، يمكن للطفل أن ينمو طبيعيًا تمامًا، إذ يعتمد العلاج على قرص يومي بسيط يُتناول على الريق لمدة ثلاث سنوات، مع المتابعة الدورية لتحديد مدى الحاجة للاستمرار في العلاج.

وأكدت السعيد أن نجاح البرنامج القومي يكمن في سرعة الاكتشاف والتدخل المبكر قبل ظهور الأعراض، مشيرة إلى أن جميع الأمراض الوراثية تقريبًا قد تسبب إعاقات جسدية وذهنية، إلا أن الإعاقات الذهنية تمثل نحو 74% من إجمالي حالات الإعاقة، ما يجعل الكشف المبكر والتوعية المجتمعية ضرورة وطنية ملحّة

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء