لحظات قليلة تلك التي تتسرب فيها الصراحة إلى أفواه السياسيين، ويخترق الصدق تصريحاتهم ليكشف ما تكنه صدورهم وما لا يعلنون.
ففي ظل شرق أوسط لا تتوقف أزماته، ولا تنطفئ نيران حروبه، تختفي المعلومات الصحيحة وتنتشر الأكاذيب والرسائل الدبلوماسية التي أبعد ما تكون عن الحقيقة.
وعندما تأتي تلك الحقيقة في لحظة صدق مفاجئة نادرًا ما تتكرر، يكون هذا حدثًا استثنائيًا يستحق التأريخ، وهذا ما حدث في برنامج "الحقيقة مع هادلي غامبل" على قناة "سكاي نيوز عربية" في الأسبوع الأخير من سبتمبر.
في تلك الحلقة التاريخية، استضافت غامبل المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، توم براك، الذي تحدث كما لم يتحدث من قبل، وانطلق بأريحية نادرة ليكشف حقائق ربما يعرفها العامة، لكنها كانت دومًا محل تضليل وتزييف من جانب السياسيين.
في لحظة صدق نادرًا ما تتكرر، أعلن المبعوث الأمريكي أن السلام في الشرق الأوسط مجرد "وهم لم ولن يتحقق"، وقالها براك وكأنه أحد قيادات المقاومة الفلسطينية أو ربما زعيم إحدى الجماعات الجهادية في المنطقة، مضيفًا: "عندما نقول سلام، فهو مجرد وهم، ولم يكن هناك سلام في الشرق الأوسط من قبل، وربما لن يكون هناك سلام أبدًا".
تصريحات المبعوث الأمريكي يمكن وصفها بأصدق ما قيل عن الصراعات في الشرق الأوسط، خاصة وأنها جاءت من مسؤول أمريكي بارز يلعب دورًا هامًا ضمن الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة.
فضح براك بصدقه الاستثنائي أكذوبة السلام التي نعيشها منذ قرون حين وصفها بـ"الوهم"!
هذا الوهم كان دومًا خيارًا استراتيجيًا للدول العربية والإسلامية في مواجهة عدو واضح في عدائه، صريح في وقاحته، مجرم في إرهابه، لا يتورع عن ارتكاب كل الموبقات والجرائم لتحقيق مصالحه، متجاوزًا كل القوانين وهادمًا كل الأعراف والتقاليد الدولية.
عدو مسموح له أن يفعل ما يشاء دون أن يخضع لمساءلة دولية أو إدانة أممية، بينما كل من يفكر في مواجهته يُصنَّف كإرهابي يجب نزع سلاحه، وقضم أظافره، وخلع سرواله ليكون عبرة لمن يحمي أرضه وعرضه.
لم يكتفِ توم براك "رضي الله عنه" بحديثه الصادق الذي فضح فيه الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط، بل واصل صدقه الاستثنائي ليعلن بكل وضوح وأريحية فجة أن المنظومة الدولية والهيئات الأممية لا قيمة لها في مواجهة "راعي البقر الأمريكي".
وفي تعليقه على مؤتمر حل الدولتين الذي عقد بالأمم المتحدة قال براك: "من الجيد رؤية الأمم المتحدة تقوم بأي شيء، أيًا كان، هذا إنجاز بحد ذاته، لكن حل الدولتين عديم الفائدة ولا يساعد بشيء".
كما وصف قرارات الاعتراف بالدولة الفلسطينية التي صدرت من دول كبرى مثل بريطانيا وفرنسا بأنها "غير مفيدة".
براك، الذي يبدو أنه قد أخذ جرعة زائدة من حبوب الصراحة قبل دخوله استديوهات برنامج الحقيقة، تطرق أيضًا إلى الوضع في لبنان، دون أن ينسى أن يفضح الموقف الأمريكي من اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله، ليعلن بكل وضوح: "إسرائيل تحتل 5 نقاط في لبنان ولن تنسحب منها".
رسائل براك ونوبة الصراحة التي أصابته لا يمكن أن تمر مرور الكرام، وعلى أولئك المبتهجين باتفاق السلام بين إسرائيل وحماس أن يعيدوا حساباتهم ويستمعوا أكثر من مرة لهذا المسؤول البارز في إدارة ترامب.
ترامب، الذي يصف نفسه برجل السلام وكان يقاتل حتى اللحظة الأخيرة ليحظى بجائزة نوبل للسلام، هو في الحقيقة رجل حرب. فالسلام ليس إلا "وهمًا لم ولن يتحقق في الشرق الأوسط"، كما قال براك، وبالتالي فإن أي حديث عن اتفاق لوقف الحرب أو لإنهاء الصراع ليس إلا ذرًا للرماد في العيون، سرعان ما يزول لتعود الحرب مرة أخرى.
صدق براك وكشف الحقيقة التي سبق وأن كشفها نتنياهو نفسه حين أعلن بكل وضوح ووقاحة قبل أسابيع قليلة أنه يسعى لتحقيق حلم إسرائيل الكبرى التي تمتد من النيل إلى الفرات.
إمبراطورية يهودية على أرض عربية، هكذا كشف نتنياهو عن ما تخفيه قلوبهم في إسرائيل وما لا يعلنونه في أمريكا!
يحدثوننا ليل نهار عن السلام ويسمّون مؤتمراتهم واجتماعاتهم بمباحثات السلام، ويؤسسون مجالس للسلام العالمي، وهم يدركون جيدًا أن السلام في الشرق الأوسط مجرد "وهم لم ولن يتحقق".
ورغم هذا الوهم الذي اعترف به براك، فإن الإدارة الأمريكية تبيع لنا هذا الوهم، وتروج عبر وسائل إعلامنا لأهميته وضرورة العمل على تحقيقه ومحاربة من يقف في وجهه.
الأغرب في الأمر أننا نحن العرب ما زلنا نشتري هذا الوهم، ونروج له، ونفرح به، ونقيم من أجله المؤتمرات والاحتفالات!