جاذبية سري.. سيدة الضوء التي روت حكاية الوطن باللون | صور
تحل اليوم، الذكرى المئوية لميلاد الفنانة التشكيلية جاذبية سري “1925–2021” ، التي تعد علامة بارزة في تاريخ الفن المصري الحديث.

جاذبية سري فنانة حملت ريشة كأنها مرآة للعصر، وفتحت أبواب الخيال أمام جيل كامل من التشكيليين، لتصنع لنفسها مكانة فريدة بين الكبار الذين صنعوا ملامح الفن المصري في القرن العشرين.

كانت جاذبية سري صوتا بصريا لوجدان مصر، وذاكرة تشكيلية تحفظ ملامح النساء، والبيوت، والحقول، وضجيج الشوارع، وأحلام البسطاء.

من لوحاتها كانت تتنفس القاهرة بليلها ونهارها، وريفها العتيق وسكونها الصوفي، حتى تحوّل اللون في يديها إلى لغة تشبه الشعر في موسيقاه، وتوازي الرواية في عمقها وسردها.

من المدرسة إلى الحرية

بدأت جاذبية رحلتها في أربعينيات القرن الماضي داخل كلية الفنون الجميلة بالقاهرة، في وقت كانت فيه المرأة بالكاد تجد طريقها إلى المرسم، لم تكن الحياة الفنية سهلة، لكن عزيمتها كانت أكبر من القيود.

تعلمت أصول الرسم، ثم تمردت على القواعد لتبحث عن ذاتها، رأت أن الفن ليس تكرارًا لما تراه العين، بل هو إعادة خلق لما يشعر به القلب.

ومع كل عقد جديد، كانت تجربتها تتجدّد، من الواقعية التي سجّلت تفاصيل الحياة اليومية، إلى التعبيرية التي حملت شحنة عاطفية قوية، ثم إلى التجريد الذي صار عندها بحثا عن جوهر الأشياء لا عن شكلها.

المرأة.. محور الضوء والدهشة

في قلب كل تجربة لجاذبية سري، كانت المرأة المصرية هي البطل الدائم، لم تقدّمها كزينة اللوحة أو موضوعًا للفرجة، بل كقوة داخلية تسكن الأرض وتنهض بالحياة.

في لوحاتها نرى النساء يحملن الجرار، يجمعن الغلال، أو يقفن في الشرفات يرقبن الغروب، كانت ترى في المرأة رمزًا للخصب، والحرية، والقدرة على الاحتمال.

لم تكن تلك الرموز مجرد تعبير عن موقف نسوي، بل كانت رؤية إنسانية لوطن في حالة تحول، فحين تغيرت مصر بعد ثورة يوليو، تغير لون جاذبية سري؛ صار أكثر حرارة واندفاعًا، وكأنها تلتقط نبض الثورة من الشارع وتسكبه على القماش.

لغة اللون.. موسيقى العين

امتلكت جاذبية سري حسا بصريًا لا يشبه سواها، كانت تعرف كيف تنطق الألوان، وكيف تحوّل الخط إلى لحن.
تتعامل مع اللوحة ككائن حي يتنفس ويتحرك، اللون عندها له ذاكرة وصوت ومزاج.
في أعمالها، تتعانق الدرجات الترابية مع الأزرق النيلي، وتتناثر الإشارات الرمزية بخفة شعرية لا تفسد التكوين، فتبدو اللوحة مثل حلم متوهّج لا يريد أن يصحو.
بين المحلية والعالمية

لم يحصرها المكان، فقد عرضت أعمالها في عواصم كثيرة: “باريس، روما، لندن، نيويورك، والكويت”، كان حضورها في الخارج امتدادًا طبيعيًا لتجربتها، لأن ما كانت تقدّمه لم يكن “فنًا مصريًا” بالمعنى الضيق، بل فنًّا إنسانيًا ينطلق من المحلية ليعانق الكوني.

في الخارج، وجد النقاد في لوحاتها مزيجا فريدا من التجريد الشرقي والروح المصرية، كانت تمثل جسرًا بين ثقافتين، تحمل من النيل رقّته ومن المتوسط نوره ومن الصحراء سكونها الغامض.

رؤية لا تنطفئ

ما يميز جاذبية سري حقًا هو استمراريتها المدهشة، ظلت ترسم حتى سنواتها الأخيرة بنفس الشغف الذي بدأت به في العشرينات من عمرها، لم تعرف الانقطاع ولا الجمود، لأن الفن بالنسبة لها لم يكن مهنة، بل حياة كاملة.
قالت في أحد حواراتها: “اللوحة تكلمني كما يكلمني الصديق، حين أتوقف عن الرسم، أشعر أن شيئًا من قلبي انطفأ.”
بهذا الإخلاص عاشت، وبهذا الإيمان رحلت، لكنها تركت وراءها تجربة تشبه النهر، تتجدّد في كل جيل من الفنانين الذين ساروا على خطاها.

سيدة اللون التي لا ترحل
رحلت جاذبية سري عام 2021، لكنها لم تغب، كل لوحة من لوحاتها تحمل روحها وتوقيعها وحلمها الأبدي بالحرية.
حين ننظر إلى أعمالها اليوم، ندرك أنها لم تكن ترسم نساءً فقط، بل كانت ترسم مصر نفسها ـ بتاريخها، وذاكرتها، وحنينها، وصبرها.
